فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 107

وإنما يُقْصَدُ منها _ فيما يبدو _ حكم أخرى كتسلية الفقراء الذين لا يستطيعون ضربًا في الأرض، ومَنْ قَصُرَتْ أيديهم عن تناولها؛ لئلا تضيق صدورُهم على آثارها أسفًا.

ومنها تعديل الأنفس الشاردة، وانتزاعُ ما في طبيعتها من الشَّرَهِ، والطمع؛ لئلا يخرجا بها عن قصد السبيل، ويتَطَوَّحا بها في الاكتساب إلى طرق غير لائقة.

فاستصغارُ متاع الدنيا، وتحقيرُ لذائذها في نفوس الناس يرفعهم عن الاستغراق فيها، ويُكْبِرُ بهممهم عن جعلها قبلةً يولون وجوههم شطرها حيثما كانوا.

وقد بين لنا العيان أن الإنسان متى عكف على ملاذِّ الحياة، ولم يَصْحُ فؤاده عن اللهو بزخارفها ماتت عواطفه، ونسي، أو تناسى من أين تؤتى المكارم، والمروءة، ودخل مع الأنعام في حياتها السافلة.

وأما ما ثبت عن بعض السلف من نبذ الزينة، والإعراض عن العيش الناعم عند القدرة عليه، أو في حال وجوده _ فلا يريدونه قربة بنفسه، ولكن يبتغون به الوسيلة إلى رياضة النفس، وتدريبها على مخالفة الشهوات؛ لتستقر تحت طوع العقل بسهولة، وتتمكن من طرح أهوائها الزائغة بدون كلفة؛ فلو وثق الإنسان من نفسه بحسن الطاعة لم تكن في مجانبته للطيبات مزية ولا مؤاخذة. (1)

وبعد هذه الجولة العجلى في نظر الشارع إلى المال، وإباحته سائر المعاملات والمرابحات ما لم تكن مخالفة للشرع، وإذنه بالاستمتاع بالمال ما لم يشغل عن طاعة _ نصل إلى مربط الفرس، وبيت القصيد وهو التجارة الأخروية، والمعاملة مع الله _ عز وجل _.

فتلك هي التجارة الرابحة، والمعاملة المُنْجِحَة التي لا تخضع لحسابات البشر، ولا لمقاييسهم المادية.

وهي التي يجب أن تكون الأصل، لا أن تكون هي الفرع، ولا أن تكون الدنيا هي المُقَدَّمة.

(1) انظر الحرية في الإسلام للشيخ محمد الخضر حسين ص 37_39.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت