فإذا جاهد نفسه على ترك الذنوب وعلى التوبة والاستغفار منها، واستحضر أن فعل الذنوب لا يسوغ ترك الأعمال الصالحةِ قاصرةً كانت أو متعدية _ كان جديرًا بمضاعفة الثواب؛ إذ لو استرسل كل مذنب مع ما يلقيه الشيطان في روعه من التخذيل _ لما قام أحدٌ بأمر الله _ عز وجل _.
قال _ تعالى _: [لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ] المائدة: 77_78.
فانظر كيف نعى الله عليهم ترك التناهي مع أنهم مشتركون في المنكر؛ فلا يجوز للمسلم أن يجمع بين إساءتين، وإلا لتعطل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال ابن حزم رحمه الله: =ولو لم يَنْهَ عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه _ لما نهى أحد عن شر، ولا أمر بخير بعد النبي"+ (1) .="
= وقال النووي رحمه الله: =قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلًا ما يأمر به، مجتنبًا ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مُخِلًا بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبسًا بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، ويأمر غيره، وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟ + (2) .
قال سعيد بن جبير رحمه الله: =لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر+ (3) .
قال الإمام مالك رحمه الله معلقًا على قول سعيد بن جبير: =وصدق سعيد؛ ومن ذا الذي ليس فيه شيء+ (4) .
وقال الحسن لمُطَرّف بن عبدالله: =عظْ أصحابك.
(1) الأخلاق والسيرص92.
(2) صحيح مسلم بشرح النووي 2/23.
(3) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن1/367.
(4) المرجع السابق.