والعبد إذا قرت عينه بشيء، واستراح قلبه به فَأَشَقُّ ما عليه مفارقته، والمتكلف الفارغ القلب من الله والدار الآخرة، المبتلى بمحبة الدنيا أشق ما عليه الصلاة، وأكره ما إليه طولها مع تفرغه، وصحته، وعدم انشغاله+. (1) =
= وقال رحمه الله في معرض حديث له عن الصلاة التي تقر بها العيون، ويستريح بها القلب: =ومما ينبغي أن يعلم أن الصلاة التي تقر بها العيون، ويستريح بها القلب هي التي تجمع ستة مشاهد+.
ثم شرع رحمه الله في تعداد تلك المشاهد؛ حيث ذكر مشهد الإخلاص، ومشهد الصدق والنصح، وقال فيه: =والصلاة التي كمل ظاهرها وباطنها تصعد ولها نور وبرهان كنور الشمس حتى تُعْرَضَ على الله فيرضاها، ويقبلها، وتقول: حفظك الله كما حفظتني+.
ثم انتقل رحمه الله إلى المشهد الثالث وهو مشهد المتابعة والاقتداء، ثم إلى المشهد الرابع وهو مشهد الإحسان، وقال فيه: =المشهد الرابع: مشهد الإحسان: وهو مشهد المراقبة، وهو أن يعبد الله كأنه يراه.
وهذا المشهد إنما ينشأ من كمال الإيمان بالله، وأسمائه وصفاته، حتى كأنه يرى الله _ سبحانه _ فوق سمواته مستويًا على عرشه، يتكلم بأمره ونهيه، ويدبر أمر الخليقة، فينزل الأمر من عنده، ويصعد إليه، وتعرض أعمال العباد، وأرواحهم عند الموافاة عليه.
فيشهد ذلك كله بقلبه، ويشهد أسماءه وصفاته، ويشهد قيومًا، حيًا، سميعًا، بصيرًا، عزيزًا، حكيمًا، آمرًا، ناهيًا، يحب، ويبغض، ويرضى، ويغضب، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو فوق عرشه، لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد، ولا أقوالهم، ولا بواطنهم، بل يعلم خائنة الأعين، وما تخفي الصدور. =
(1) رسالة ابن القيم إلى أحد إخوانه، تحقيق الشيخ عبدالله بن محمد المديفر ص33_34.