قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: =أخبر أن الصدقة إن أبداها المتصدق فهي خير، وإن أخفاها وسلمها للفقير كان أفضل؛ لأن الإخفاء على الفقير إحسان آخر، وأيضًا فإنه يدل على قوة الإخلاص+.
إلى أن قال رحمه الله: =وفي قوله: [وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ] : فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها إذا أعطيت الفقير.
فأما إذا صرفت في مشروع خير لم يكن في الآية ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع تدل على مراعاة المصلحة؛ فربما كان الإظهار خيرًا بحصول الأسوة والاقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير+. (1) ……… =
= وجاء في صحيح مسلم عن جرير بن عبدالله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله"عليهم الصوف، فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة؛ فحث الناس على الصدقة، فأبطؤوا عنه، حتى رئي ذلك من وجهه."
قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بِصُرَّة من وَرِقٍ، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه؛ فقال رسول الله": =من سنَّ في الإسلام سنة حسنة، فَعُمِل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها، ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة، فعمل بها من بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها، ولا ينقص من أوزارهم شيء+ (2) ."
وهكذا يتبين أن الإعلان والإسرار في الصدقة والعمل الصالح عمومًا راجع للمصلحة.
قال ابن حجر رحمه الله في معرض حديثه عن إعلان الصدقة وإسرارها: =قال الزين بن المنيِّر: لو قيل إن ذلك يختلف باختلاف الأحوال لما كان بعيدًا؛ فإذا كان الإمام _ مثلًا _ جائرًا، ومالُ مَنْ وجبت عليه الزكاة مخفيًا _ فالإسرار أولى.
وإن كان المتطوع ممن يُقتدى به، ويتَّبع، وتنبعث الهمم على التطوع بالإنفاق، وسَلِم قصده _ فالإظهار أولى والله أعلم+ (3) .
(1) تيسير الكريم الرحمن ص86.
(2) مسلم (1017) .
(3) فتح الباري 3/340.