ولم يقل المشركون إن أصنامهم وأوثانهم شريكة لله في الخلق والرزق والإحياء والإماتة، بل كانوا مقرين بأن آلهتهم مخلوقه، ولكنهم كانوا يتخذونها شفعاء وزلفى ويتقربون بعبادتها إليه، كما قال: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) [الزمر 3] . وكانوا في تلبيتهم:"لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك".
ومع اعتقادهم بأن الله هو الذي يحيى ويميت ويخلق يرزق، فقد استحقوا الخلود في النار، لأن ذلك لا يكفي لصحة التوحيد.
ويدعى هذا التوحيد"توحيد الربوبية"ولا بد أن يقترن ب"توحيد الألوهية"وهو توحيد الله عز وجل بإفراده بالعبادة، وأنه إن كان هو الخالق الرزاق المحيي المميت، فهو الذي ينبغي أن يفرد بالعبادة وحده، وأن يتوجه إليه وحده بالدعاء والاستعانة والاستغاثة والاستعاذة، وأنه الإله الذي ينبغي أن يألهه كل الخلق ولا يشركون معه شيئا.
ولم يفرق الحبشي بين هذين النوعين، وزعم أن توحيد الألوهية هو توحيد القدرة على الاختراع والتدبير، وأن من أقر بأن القادر على الاختراع هو واحد فقد أتى بالدين الخالص واستدل على توحيده هذا بقوله تعالى: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) [الأنبياء 22] .
ولم يكتف بذلك بل زعم أن تقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وتوحيد ألوهية بدعة وضلاله لا دليل عليها من كتاب ولا سنة وأنه من ابتداع ابن تيمية.
ومن أنعم النظر في تفسير ابن جرير وجد خلاف ذلك، فقد قال عند قوله تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) أي إفراد الله بالربوبية والعبادة، وعند قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم فاعبدوه) قال: أي: أفردوا له الألوهية والربوبية، وفي قوله تعالى: (وما أرسلناك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) . قال: أخلصوا إلي العبادة وأفردوا إلي الألوهية.
وهو - أي الحبشي - قد قسم التوحيد إلى أقسام ثلاثة:
أولا: نفي الكثرة المصححة للقسمة عن ذات الله، وهي تفسير الأحد الصمد بزعمه.
ثانيا: نفى النظير عنه في ذاته وصفاته.
ثالثا: أنه منفرد في الخلق والإيجاد والتدبير، فلا مساهم له في اختراع المصنوعات وتدبير المخترعات [1] .
وهذا الثالث هو ما كنا بصدده آنفا.
وهذا التقسيم يتفق مع تقسيم المعتزلة للتوحيد حرفا بحرف [2] .
(1) 175 الدليل القويم للحبشي 33
(2) 176 المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبد الجبار الهمذاني 4/ 241 - 242