الكلام، وكذلك فعل التابعون لهم بإحسان وتابعوهم، وقد رأوا في الكلام وفي أهله التردد والتناقض والاضطراب والانتقال من رأى إلى آخر والقول على الله بغير علم وتحريف الكلم عن مواضعه فنبذوا أصحابه وحذروا الناس منهم.
ثم إن التأويل يكون في أحسن أحواله مظنونا لا يطمئن له القلب ولا ينشرح له الصدر أي أن المتأول لا يقطع بأن الآية التي تأولها على خلاف ظاهرها هي ما يريده الله تعالى وهذا قول أحمد ومالك والأصبهاني وغيرهم [1] .
وقولهم إن الأخذ بظاهر آيات الصفات هو تشبيه وكفر فهي دعوة صريحة إلى الكفر بآيات الله والإعراض عن كلامه والتوجه إلى ظنون المتكلمين والفلاسفة وجنونهم وقد قال الله تعالى: (فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون) [الجاثية 6] .
وكان مما يحتج به المعارضون للإمام أحمد من الجهمية وغيرهم ممن يقولون بأن القرآن مخلوق يقولون: إذا كان القرآن يجيء يوم القيامة فلا بد أن يكون مخلوقا، فقال لهم:"إذا كنتم تقولون في الآية (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام) أن الذي يأتي هو أمره وأن الذي يجيء يوم القيامة هو أمره، فقولوا هنا في هذا الحديث أن المراد بمجيء البقرة وآل عمران هو ثوابهما، وقراءة القارئ وعمله وليس الجائي هو نفس البقرة وآل عمران ولا حجة لكم في الحديث على أن القرآن مخلوق".
والحديث الذي عناه:"اقرءوا البقرة وآل عمران فإنهما تجيئان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما ..." [2] .
يعني بذلك: إذا كنتم تتمسكون بالتأويل في شأنكم كله فلماذا طرحتم التأويل جانبا في هذا الحديث وزعمتم أن الذي يجيء يوم القيامة هو نفس البقرة وآل عمران.
وعن عبد الله بن أحمد قال: قال أبي: هذه الأحاديث ترويها كما جاءت ... فنصدقها ولا نضرب لها الأمثال، هذا ما أجمع عليه علماء الآفاق". وكذلك نقل ابن الجوزي:"ولا نفسر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت" [3] ."
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: ينزل الله إلى السماء الدنيا، فكيف نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبا شديدا وقال: أمض الحديث على ما ورد [4] .
هروب الجهمية والأحباش
من النقل والتفويض إلى علم الكلام والتأويل
(1) الملل والنحل للشهرستاني 1/ 118
(2) رواه مسلم وأحمد
(3) مناقب الإمام أحمد 155 - 156 و 174
(4) كتاب السنة لعبد الله