وقال الأشعري أيضا:"وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه ... وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، فلو كان كما قالوا كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة لأنه قادر على كل شيء"ثم قال:"وكذا لو كان مستويا بمعنى الاستيلاء لجاز أن يقال: هو مستو على الأشياء لا على العرش فقط، فبطل أن يكون الاستواء بمعنى الاستيلاء" [1] .
اعتماد الأحباش على بيت من الشعر لمعنى الاستواء
وعمدة هذا الحبشي وأتباعه بيت من الشعر نسب للأخطل النصراني:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
فقالوا: إن معنى استوى ها هنا: استولى، ووافقوا الذين استدلوا به من قبل كالمعتزلة وغيرهم، وهذه أول مرة في التاريخ الإسلامي تؤخذ فيه العقائد من بيت شعر وهذا التفسير الحبشي فيه الكثير من الخطل للأمور.
وهذا البيت من الشعر مصنوع ليوافق مذهبهم في النفي والتأويل، قال ابن الجوزي: لم يعرف قائل هذا البيت.
وقال ابن حزم:"وهذا فاسد - يعني الاستدلال بهذا الشعر - لأنه لو كان ذلك لما كان العرش أولى بالاستيلاء عليه من سائر المخلوقات ولجاز لنا أن نقول:"الرحمن على الأرض استوى"لأنه تعالى مستول عليها وعلى كل ما خلق، وهذا لا يقوله أحد، فصار هذا القول دعوى مجردة بلا دليل" [2] .
ومعنى (استوى على العرش) حسب تأويلهم المعطل: استولى عليه، فأصبح مالكا للعرش قاهرا له بعد أن لم يكن كذلك، فتعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا.
وأحسن الأجوبة وأشرفها ما أجاب به مالك بن أنس، فقال يحيى ين يحيى:"كنا عند أنس بن مالك فجاء رجل فقال يا أبا عبد الله، (الرحمن على العرش استوى) فكيف استوى؟ قال: فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرُّخَصاء ثم قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعه، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج" [3] . وروى بنحوه عن ابن وهب.
(1) 233 الإبانة عن أصول الديانة 86 - 87
(2) 234 الفصل في الملل لابن حزم 2/ 123
(3) 235 انظر الأسماء والصفات للبيهقي: باب ما جاء في قول الله عز وجل: (الرحمن على العرش استوى)