وقد قسم إخوان الصفا كتاب الله إلى قسمين: ظاهر وباطن، فالظاهر هو هذه الألفاظ المقروءة والمسموعة، والباطن هو أن له تأويلات باطنة لا يفهمها عوام الناس [1] . وتأولوا الشهداء بأنهم الذين يشهدون الروحانية المفارقة للهيولى، والملائكة أنهم الجواهر العقلية.
وقال ابن سينا من الملاحدة:"فثبت من هذا كله أن الشرائع واردة لخطاب الجمهور بما يفهمون مقربة ما لا يفهمون إلى إفهامهم بالتشبيه والتمثيل" [2] .
أما الفلاسفة فإنهم المعنيون بفهم الحقائق وتأويل الرموز وإدراك المعاني الباطنة.
وقد أطلق على ملاحدة الإسماعيلية وإخوانهم القرامطة: الباطنية لهذا المعنى، فهم الذين يزعمون أن لكل شيء باطنا وظاهرا، وأن هذا التأويل أدى إلى إبطال النصوص القرآنية خصوصا تلك التي تتعلق بالأحكام والشرائع، وهذا دأب الشيعة الروافض إخوان القرامطة أما الفلاسفة فقد تأولوا نصوص آيات المعاد، وتأول المتكلمون آيات الصفات تأويلا أفضى إلى نفي الصفات وتعطيلها كما يفعل الأحباش الآن، وكان عبد الله ابن سبأ من الأوائل ممن اخذوا بالتأويل بل قل بالتحريف فقال"مفسدا على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده"الفرق بين الفرق ص 233.
وحقيقة اعتقاد الجهمية هي التعطيل المفضي إلى الإلحاد، فإذا جردوا عن الله تعالى صفاته وزعموا انه غير متكلم وأن القرآن كلامه مجاز وليس حقيقة، وأن جبريل تلقى عنه بفهم كلامه النفسي وأنه ليس في السماء ولم يستو على العرش ولم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما ولا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة أقول: حقيقة قولهم: إنه ليس ثمة من إله وأنهم بالواقع يصفون شيئا معدوما، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإن قول الحبشي:"وقد يؤول ذلك لأجل صرف العامة عن الجسمية" [3] مع قوله:"إنه يؤمن بها مقرونة بالتنزيه وعلى الوجه اللائق بالله سبحانه" [4] فهذا فيه من التناقض ما فيه فإما أن تثبت على التنزيه أو تستقر على التأويل والتعطيل ولا يجوز بقاؤك مذبذبا.
وقوله"إن الكلام من ضروريات الدين"مغالطة فاحشة، فلم يعهد عن الصحابة الكرام وهم خير القرون كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم:"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي من بعدهم قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته" [5] ، ولم يعرف عنهم أنهم كانوا يخوضون فيما يخوض فيه المتكلمة، بل الثابت المؤكد أنهم كانوا يعرضون عن
(1) رسائل إخوان الصفا 4/ 132 فما بعدها
(2) الرسالة الأضحوية 39 فما بعدها
(3) الدليل القويم 47
(4) المصدر الآنف
(5) رواه الشيخان وأحمد