لا يشك أحد أنه لا يمكن لمجتمع صغير أو كبير أن ينجح ويحقق أهدافه بدون قائد، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" [1] ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما:"لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم" [2] وذلك ليكون قوله فاصلا عند النزاع، ولذلك أعطاه الشرع حق الطاعة ولو كانت في أمر تكرهه النفس كما في حديث: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وعلى أثرة علينا وألا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان". بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل جمعا من الصحابة في مهمة وأمَّر عليهم أحدهم فغضب عليهم وأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها فهموا بذلك طاعة له ثم قالوا: ما آمنا إلا هروبا من النار فكيف نقتحمها، فلما رجعوا من مهمتهم أخبروا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما الطاعة في المعروف". وقد قال شيخ الإسلام:"فإذا كان قد أوجب في أقل الجماعات وأقصر الاجتماعات أن يولي أحدهم كان ذلك تنبيها على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك" [3] . وقال الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا
كالبيت لا يبتنى إلا له عمد ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمع أوتاد وأعمدة ... وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا [4]
ومن أعظم مهام القائد والرئيس أن تسير الأمور التي تحت ولايته على الشكل المطلوب، ولا يتحقق ذلك إلا بالقيام بالرقابة الدائمة لمن هم تحت يده، ليعرف مواطن الخلل فيصلحها، وما كان من أمور إيجابية فإنه يزيدها ثباتا. وهذه الرقابة صورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} الحج 41.
ومع ما للرقابة الذاتية من أهمية إلا أن كثيرا من النفوس تحتاج إلى رادع خارجي، وصدق عمر رضي الله عنه في قوله:"لما يزع الله بالسلطان أعظم مما يزع بالقرآن" [5] ، أي أن هيبة السلطان والخوف من عقوبته ترتدع أكثر من المواعظ لكثير من الناس لضعف إيمانهم.
(1) رواه أبو داود (2608) عن أبي سعيد رضي الله عنه وأحمد وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند 10/ 6648 ورواه الحاكم 1/ 443 وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(2) رواه أحمد وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند 10/ 6648.
(3) مجموع الفتاوى 28/ 65.
(4) تهذيب الرياسة /96، الشعر والشعراء /223، نهاية الأرب 3/ 64، التمثيل والمحاضرة /51.
(5) تاريخ بغداد 4/ 108.