فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 33

ثالثا: عدم الاهتمام بالمخالفات اليسيرة جدا:

وليس من المستحسن ممن يقوم بالعملية الرقابية أن يدقق في الأشياء اليسيرة التي لا يخلو منها بشر، بل عليه أن يتغافل عن بعض الأشياء التي يحسن التغافل عنها، قال بعضهم: أكره المكاره في السيد الغباوة وأحب أن يكون عاقلا متغافلا كما قال ابو تمام:

ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي [1]

وإن كان الكمال في الموظف أن يحافظ على ممتلكات الدولة، ولا يستخدمها لمصلحته الخاصة ولو في الشيء اليسير، وفي قصة حماد بن زيد مثال يبين ضرورة الاهتمام بالأشياء اليسيرة فقد مر حماد بن زيد عندما كان صغيرا هو وأبوه على جدار فيه تبن فأخذ حماد عود تبن، فنهره أبوه وقال: لماذا؟ فقال حماد: يا أبتاه إنه عود تبن، فقال الأب: لو أخذ كل مارٍّ عود تبن هل يبقى في الجدار شيء؟ [2] .

وقد كان عمر بن عبدالعزيز يمارس رقابية مالية دقيقة، وهذا هو سر الرفاه الذي حصل للمسلين في عهده القصير، فقد قال لميمون - وهو معاون له-: ما هذه الطوامير التي تكتب فيها بالقلم الجليل، وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين؟ (يقصد الصحائف التي يكتب فيها الأوامر والتوجيهات) ، فكانت كتبه شبرا أو نحوا من ذلك [3] .

وعندما كتب له أبو بكر بن محمد بن حزم والي المدينة يطلب شمعا للإضاءة، رد عليه فقال:"لعمري لقد عهدتك يا ابن حزم وأنت تخرج من بيتك في الليلة الشاتية المظلمة بغير مصباح، ولعمري لأنت يومئذ خير منك اليوم، ولقد كان في فتائل أهلك ما يغنيك، والسلام". وكتب إلى ابن حزم مرة:"إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم، واجمع الخط، واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم، والسلام عليك" [4] .

وأرى أنه يجب على من يقوم بالعملية الرقابية أن يقدر الأشياء التي يتغاضى عنها، والمخالفات التي ينبه عليها، والمخالفات التي يعاقب عليها أو يرفع فيها تقريرا بالمخالفة.

رابعا: السرية طريق النجاح:

كما ينبغي أن تكون بعض العمليات الرقابية سرية، وأن يكون المراقب غاية في الثقة والأمانة والعقل، فقد ورد في الحديث:"استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان" [5] . قال أشهب - وهو من كبار أصحاب مالك بن أنس رحم الله الجميع-: ينبغي للحاكم أن يتخذ من يستكشف له أحوال الناس في السر، وليكن ثقة مأمونا عاقلا [6] .

(1) مفتاح السعادة لطاش كبري زادة / 145.

(2) ترجمة حماد بن زيد من سير أعلام النبلاء.

(3) سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن الجوزي /88.

(4) سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن عبدالحكم /55.

(5) رواه الطبراني في الكبير 20/ 412، وغيره وحسنه الألباني لطرفه في السلسلة الصحيحة 3/ 436 رقم 1453.

(6) فتح الباري لابن حجر 13/ 190.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت