فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 33

ولا يعني هذا أن يستشير جميع من تحته بل يختار منهم من هو أهل للاستشارة، ويدل على هذا حديث ميمون بن مهران أن أبا بكر الصديق كان إذا ورد عليه أمر ولم يجده في الكتاب والسنة دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم واستشارهم وكان عمر يفعل ذلك [1] . وقال ابن عباس: كان القراء- يعني أهل العلم- أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا [2] .

وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما قصة قدوم عمر للشام وأنه لما أخبر بوقوع الطاعون بها دعى المهاجرين الأولين فاستشارهم .." [3] . ولما بعث عمر رضي الله عنه جيشا إلى العراق وأمر عليهم أبا عبيدة الثقفي أمره أن يستشير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يستشير سليط بن قيس فإنه رجل باشر الحروب" [4] .قال ابن المعتز: من أكثر المشورة لم يعدم عند الصواب مادحا وعند الخطأ عاذرا [5] . وعليه أن يستخدم الأسلوب الأمثل في المشورة؛ فقد ذكر الجهشاري أن سابور ذا الأكتاف وهو من ملوك الفرس استشار وزيرين كانا له في أمر من أموره فقال أحدهما: لا ينبغي للملك أن يستشير منا أحدا إلا خاليا فإنه أموت للسر وأحزم في الرأي وأدعى إلى السلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، لأن الواحد رهن بما أُفضي إليه وهو أحرى ألا يظهره رهبة للملك ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين مظهر؛ دخلت على الملك الشبهة واتسعت على الرجلين المعاريض، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم وإن عفا عنهما عفا عن واحد لا ذنب له وعن الآخر والحجة عليه [6] . وعليه أن يقصد الكبار وذوي الخبرة في الاستشارة، قال علي رضي الله عنه: (رأي الشيخ خير من مشهد الغلام) [7] . وقد يكون عند صغار السن ما لا عند غيرهم لحدة عقولهم، وقد كان ابن شهاب الزهري رحمه الله يشجع الصغار ويقول:"لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان فاستشارهم يتبع حدة عقولهم" [8] .

وكما هو معلوم فإن للبيروقراطية مساوئ أبرزها إطالة المدة بين القرار الإداري وتنفيذه، وقد عالجه عمر بن عبدالعزيز بكتابة إلى عروة بن محمد - وكان عاملا على اليمن-:"أما بعد، فإني أكتب إليك آمرك أن ترد على المسلمين مظالمهم، فتراجعني، ولا تعرف بعد المسافة ما بيني وبينك، ولا تعرف أحداث الموت، حتى لو كتبت إليك أن اردد على مسلم مظلمة شاة، لكتبت: أرددها عفراء أو سوداء!، فانظر أن ترد على المسلمين مظالمهم، ولا تراجعني" [9] . وقد كان عمر بن

(1) رواه البيهقي بسند صحيح كما في فتح الباري 13/ 342.

(2) رواه البخاري (7286) .

(3) رواه البخاري (5729) .

(4) البداية والنهاية 7/ 26.

(5) آداب ابن المعتز /99، تهذيب الرياسة /185.

(6) الوزراء والكتاب للجهشاري /11.

(7) رواه البيهقي في السنن الكبرى 10/ 113، تهذيب الرياسة /188.

(8) رواه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله 1/ 85.

(9) طبقات ابن سعد 5/ 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت