الفصل الرابع
تفعيل الرقابة وإنجاحها في القضاء على الفساد الإداري
من أهم ما يسهل العملية الرقابية، أن يكون كبار الموظفين قدوة لمن دونهم، وأعظم القدوات نبينا صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:"لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .." (الأحزاب: 21) ، فهو قدوة للقائد المسلم في زهده في المال، والعدل والحزم والرحمة، وقدوة للمقاتل في الشجاعة والتخطيط وتدبير الحروب، وقدوة للقاضي في سير القضايا ومراعاة العدل في الأحكام، وقدوة للمعلم في صبره وتأنيه وحسن تعلينمه، وصدق القائل:
هو البحر من أي النواحي أتيته فلجته المعروف والجود ساحله.
وقد سار كبار أصحابه على تلك القيم الفضلى والمثل العليا، ومن أعجب ما يروى في ذلك عن عائشة رضي الله عنها قالت:"لما مرض أبو بكر مرضه الذي مات فيه قال: انظروا ماذا في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة من بعدي، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح (بعير للسقيا) كان يسقي بستانا له، فبعثنا إلى عمر رضي الله عنه وقال: رحمة الله على أبي بكر، لقد أتعب من بعده تعبا شديدا" [1] .
وتروي لنا كتب التاريخ أنه لما حملت مغانم العراق بعد فتحها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورأى ما فيها من الجواهر جعل يتعجب ويقول: إن الذي أدى هذا لأمين، فقال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: أنا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين أنت أمين الله وهم أمناؤك فما دمت مؤديا للأمانة أدوها ومتى رتعت رتعوا [2] . وكما هو معلوم فإن أخلاق القائد تؤثر في من تحته وقد قيل: الناس على دين ملوكهم ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هرقل: (فإن أبيت فإن عليك إثم الأريسيين) [3] أي الفلاحين.
ومن ورع عمر بن عبدالعزيز رحمه الله وزهده أنه كان يوسع على عماله في النفقة، ويشدد على نفسه، فيعطي الرجل منهم في الشهر مائة دينار، ومائتي دينار. وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين، فقيل له: لو أنفقت على عيالك، كما تنفق على عمالك؟ فقال: لا أمنعهم حقا لهم، ولا أعطيهم حق غيرهم" [4] ."
لا يعقل أن تتكلف المنشأة أموالا وجهدا للرقابة بأنواعها ثم لا يترتب على ذلك شيء، أو يصدر قرار متأخر. ونجد الإداري الفذ خليفة المسلمين عمر بن عبدالعزيز لما تحقق من وجود خلل في والي البصرة كتب إليه:"أما بعد: فإنك غررتني"
(1) طبقات ابن سعد 3/ 192.
(2) تهذيب الرياسة /99، ونسب القول في الطبري 5/ 254 وغيره إلى علي رضي الله عنه.
(3) رواه البخاري 4/ 57 ومسلم 5/ 163.
(4) عمر بن عبدالعزيز للحافظ ابن كثير /90.