فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 33

وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم الرقابة على عماله، ففي صحيح البخاري عن أبي حميد الساعدي قال استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا على صدقات بني سليم يدعى بن اللتبية فلما جاء حاسبه قال هذا مالكم وهذا هدية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا ... [1] .

وكان أبو بكر يمارس الدور الرقابي بنفسه على عماله، فعندما جاءه معاذ بن جبل من اليمن قال له أبو بكر: ارفع لنا حسابك" [2] . وذكر الطبري أنه كان يراقب ولاته مراقبة شديدة، فكان لا يخفى عليه شيء من عملهم" [3] .

وأما عمر فقد طور آلية الرقابة الإدارية، إذ كان مهتما بهذا الأمر أشد الاهتمام، فقد قال يوما لجلسائه:"أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم، ثم أمرته فعدل، أكنت قضيت ما علي؟ قالوا: نعم، قال: لا حتى أنظر في عمله، أعمل بما أمرته أم لا" [4] . فاستشعاره للمسؤولية جعله يراها من واجبات الإمام، وليست الرقابة لمرة أو مرات ثم تقف، بل هي رقابة دائمة، حتى لا يقل العمل، أو يحصل تجاوزات فيه.

كما كان يرسل المفتش العام محمد بن مسلمة للرقابة على الولاة وتفحص شكاوى الرعية والتحقق منها وممارسة التحقيق مع الولاة. ومن أشهر ما روي في ذلك تحقيقه في شكوى بعض أهل العراق ضد واليهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكذا تحقيقه في شكوى بعض أهل دمشق ضد واليهم سعيد بن عامر رضي الله عنه [5] .

ومن سياسته لولاته أنه ينظر في مال الوالي قبل الولاية، ويسجله في سجل، ثم ينظر ما زاد بسبب الولاة فيأخذ نصفه لبيت المال ونصفه للوالي ولو كان كسبه للمال بطريق حلال، وسبب ذلك أن الناس يحابون الوالي لأجل ولايته، فجعلهم كأنهم مشاركون لبيت المال، وهذا من فقهه العجيب [6] . وقد اشتهرت طريقته الرقابية، مما جعل الشعراء يذكرون ذلك في شعرهم، ففي الإصابة: قال أبو المختار يزيد بن قيس بن يزيد بن الصعق كلمة رفع فيها على عمال الأهواز وغيرهم إلى عمر بن الخطاب وهي:

أبلغ أمير المؤمنين رسالة ... فأنت أمين الله في النهي والأمر

وأنت أمين الله فينا ومن يكن ... أمينًا لرب العرش يسلم له صدري

فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى ... يسيغون مال الله في الأدم الوفر

فأرسل إلى الحجاج فاعرف حسابه ... وأرسل إلى جزء وأرسل إلى بشر

ولا تنسين النافعين كلاهما ... ولا ابن غلاب من سراة بني نصر

(1) صحيح البخاري 6578.

(2) التراتيب الإدارية 1/ 37.

(3) تاريخ الطبري 4/ 67.

(4) سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن الجوزي /56.

(5) الإدارة الإسلامية للدكتور أدهم /319.

(6) التراتيب الإدارية 1/ 269.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت