فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 33

ولا يغفل فن الاستماع للشكوى والتظلمات، وهو من الآداب النبوية، ولما عاب المنافقون النبي صلى الله عليه وسلم أنه يستمع لكل أحد ولو كان من عامة الناس أنزل الله عز وجل قوله تعالى {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} التوبة 61. ففن الاستماع من صفات القائد الناجح.

ووصل اهتمام الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله بالرقابة الشعبية، أن وضع مكافأة لمن يدل على خلل في الدولة أو فساد. فقد كتب لأهل الموسم (أي الحجاج في مكة) : أما بعد، فأيما رجل قدم علينا في رد مظلمة، أو أمر يصلح الله به خاصا أو عاما، من أمر الدين، فله ما بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار، بقدر ما يرى من الحسبة وبعد الشقة، رحم الله امرءا لم يتكاأده بُعد سفرٍ (أي يشق عليه لبعده) ، لعل الله يحيي به حقا أو يميت به باطلا، أو يفتح به من ورائه خيرا ..." [1] . وكذا فعل عبدالرحمن بن معاوية بن حديج عندما كان قاضيا فقد وضع مكافأة لمن يكشف عن أموال اليتامى الغائبة، وذلك سنة 86 هـ مما حفظ أموال تلك الفئة الضعيفة من جشع الأولياء [2] ."

لا تخلو منشأة من المتملقين، الذين يصعدون على الأكتاف، وهم والله أساس البلاء في كثير من المنظمات والمنشآت. وقد روى مسلم أن رجلا جعل يمدح عثمان فعمد المقداد فجثا على ركبتيه وكان رجلا ضخما فجعل يحثو في وجهه الحصباء فقال له عثمان ما شأنك فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب [3] . وللأديب الفقيه ابن حزم عبارات غاية في الجمال والحكمة، في التحذير من الفرح بالمدح، فمما يناسب ذكره:

-أبلغ في ذمك من مدحك بما ليس فيك لأنه نبه على نقصك وأبلغ في مدحك من ذمك بما ليس فيك لأنه نبه على فضلك ولقد انتصر لك من نفسه بذلك وباستهدافه إلى الإنكار واللائمة. (الأخلاق والسير /45) .

-وليس في الرذائل أشبه بالفضائل من محبة المدح ودليل ذلك أنه في الوجه سخف ممن يرضى به وقد جاء في الأثر في المداحين ما جاء إلا أنه قد ينتفع به في الإقصار عن الشر والتزيد من الخير وفي أن يرغب في ذلك الخلق الممدوح من سمعه. ولقد صح عندي أن بعض السائسين للدنيا لقي رجلًا من أهل الأذى للناس وقد قلد بعض الأعمال الخبيثة فقابله بالثناء عليه وبأنه قد سمع شكره مستفيضًا ووصفه بالجميل والرفق منتشرًا فكان ذلك سببًا إلى إقصار ذلك الفاسق عن كثير من شره. (الأخلاق والسير /50) .

(1) سيرة عمر بن عبدالعزيز لابن عبدالحكم /117.

(2) أخلاق العمل /88 عن كتاب القضاة للكندي /325.

(3) رواه مسلم في صحيحه (3002) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت