ويجب على كل متولٍّ لأمر من أمور المسلمين أن يكون مخلصا لعمله، واستحضاره لهذا الشعور يقوي الرقابة الذاتية في كل وقت. وقد روى مسلم أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار في مرضه فقال له معقل إني محدثك بحديث لولا أني في الموت لم أحدثك به سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة [1] . وقال صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه رائحة الجنة) [2] . بل إن العامل والموظف إذا نصح في عمله وتفانى في أداء واجباته فقد كسب الخيرية من أزكى البشرية، وما أعظمه من وسام، فقد قال عليه الصلاة والسلام:"خير الكسب كسب العامل إذا نصح" [3] .
ومن أعظم ما يمنع من التعدي والظلم استحضار تلك الدعوة النبوية لمن رفق بمن هم تحت مسؤوليته، فقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي أمرا فرفق بهم فارفق به ومن ولي من أمر أمتي أمرا فشق عليهم فاشقق عليه) [4] ، وهو عام في كل ولاية. وقد وصف الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:"فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعفُ عنهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله .." (آل عمران:159) . ومن حمل هذا الشعور فإنه يبعد أن يحصل منه تعدّ على موظف تحت يده أو منعه من حقه، وهذه رقابة إيمانية دائمة وهي أنجح الوسائل الرقابية على الإطلاق.
وحيث أن من أهم الأمانات اللازمة في كل من عين في المنصب الإداري؛ الأمانة المالية، ومن أصعب أنواع الرقابة، الرقابة على الاختلاسات المالية اليسيرة، والتعدي على الممتلكات العامة. وهذا من خيانة الأمانة وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنفال 27) ، وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلولا، ففي صحيح مسلم عن عدي بن عميرة رضي الله عنه أن رسول الله عليه وسلم قال: (من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطا فما فوقه كان ذلك غلولا يأتي به يوم القيامة) [5] . وفي الحديث الآخر:"من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول" [6] .
(1) صحيح مسلم 1/ 126 (142) .
(2) رواه البخاري (7150) و مسلم 4/ 493، واللفظ لمسلم.
(3) صحيح الجامع 3278.
(4) رواه مسلم 6/ 7.
(5) مختصر مسلم (1214) .
(6) صحيح الجامع 5899.