كما أن من أعظم صفات القائد الناجح أن يفتح صدره قبل بابه لمن هم تحت ولايته ليرفعوا تظلماتهم واقتراحاتهم، وتسمى في العرف الإداري:"سياسة الباب المفتوح"ولا يعنينا الاسم بقدر ما يعنينا أن إغلاق الباب متوعد عليه في حديث عمرو بن مرة رضي الله عنه قال قال رسول الله عليه وسلم: (ما من إمام أو وال يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلة والمسكنة إلا أغلق الله أبواب السماء دون خلته وحاجته ومسكنته) [1] . وخطب عمر مرة في موسم الحج وبين يديه عماله، فمما قال لهم:"... ولا تغلقوا الأبواب دونهم، فيأكل قويهم ضعيفهم .." [2] .
وكان عمر رضي الله عنه ينهى عماله أن يتخذوا لمجلس الإمارة بابا، فإذا خالف أحدهم فوضع بابا، فإن عمر يرسل مفتشه محمد بن مسلمة ليحرق الباب أمام الناس كما فعل مع سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن قرط رضي الله عنهما [3] .
وبلغ اهتمام أبي بكر الصديق بأمر الرقابة الأهلية أن يطلب من الناس أن يتقدموا بأي تظلم أو نقد، فقد حج ونادى في أهل مكة خطيبا: هل من أحد يشكي ظلامة، أو يطلب حقا؟ فما أتاه أحد، وأثنى الناس على واليهم خيرا، فرجع إلى المدينة قرير العين [4] .
وأما عمر فقد كان يعقد اجتماعا بولاته في موسم الحج، ويستمع لشكاوى الناس ضد الولاة فينهيها في ذلك المكان الطاهر [5] . وكان يستشعر مسؤوليته أمام الله تعالى إذا علم بظلم فلم يغيره، فقد روى ابن سعد عنه أنه قال:"أيما عامل لي ظلم أحدا فبلغتني مظلمته فلم أغيرها فأنا ظلمته" [6] .
وكذا فعل عثمان رضي الله عنه فقد كتب لأهل مصر:"أما بعد، فإني آخذ عمالي بموافاتي كل موسم، وقد رفع إلي أهل المدينة أن أقواما يشتمون ويضربون فمن ادعى شيئا من ذلك فليواف الموسم يأخذ حقه حيث كان مني أو من عمالي، وتصدقوا فإن الله يجزي المتصدقين" [7] .
وأما عمر بن عبدالعزيز فقد بدأ خلافته بخطبته الشهيرة التي أعقبها بنداء عام:"من كانت له مظلمة فليرفعها" [8] .
(1) رواه أحمد والترمذي كما في الصحيحة للألباني (629) وصححه الألباني.
(2) الإدارة الإسلامية للدكتور أدهم /314.
(3) الإدارة الإسلامية للدكتور أدهم/315 عن الإدارة في الإسلام لأحمد أبو سن /125.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 187.
(5) التراتيب الإدارية 1/ 238.
(6) طبقات ابن سعد 3/ 305.
(7) الإدارة الإسلامية المنهج والممارسة للدكتور حزام المطيري /211.
(8) أخبار عمر بن عبدالعزيز لابن الجوزي 104.