فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"كذبتم بل أبو كم فلان"قالوا صدقت وبررت فقال"هل أنتم صادقي عن شيء إذا سألتكم عنه؟"
"قالوا: نعم يا أبا القاسم وإن كذبنا عرفت كذبنا كما عرفته في أبينا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم""من أهل النار؟"
فقالوا نكون فيها يسيرا ثم تخلفونا فيها، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم"والله لا نخلفكم فيها أبدا"ثم قال لهم"هل أنتم صادقي عن شئ إذا سألتكم؟"
فقالوا نعم يا أبا القاسم، فقال"هل جعلتم في هذه الشاة سما"فقالوا: نعم!
قال"ما حملكم على ذلك؟"
قالوا أردنا إن كنت كاذبا أن نستريح منك وإن كنت نبيا لم يضرك [1] .
يقول ابن بطال - رحمه الله- قال المهلب: ويعفى عن المشركين إذا غدروا بشيء يستدرك إصلاحه وجبره ويعصم الله - تعالى - منه إذا رأى الإمام ذلك، وإن رأى عقوبتهم عاقبهم بما يؤدى إليه اجتهاده، وأما إذا غدروا بالقتل أو بما لا يستدرك جبره وما لا يعتصم من شره؛ فلا سبيل إلى العفو، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في العرنيين عاقبهم بالقتل، وإن كان - صلى الله عليه وسلم -، قال لعائشة: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان قطع أبهري» لكنه عفا عنهم حين لم يعلم أنه يقضى عليه؛ لأن الله - تعالى - دفع عنه ضر السم بعد أن أطلعه على المكيدة فيه بآية معجزة أظهرها له من كلام الذراع، ثم عصمه الله من ضره مدة حياته، حتى إذا دنا أجله بغى عليه السم، فوجد ألمه وأراد الله له الشهادة بتلك الأكلة؛ فلذلك لم يعاقبهم، وأيضًا فإن اليهود قالوا: أردنا أن نختبر بذلك نبوتك وصدقك، فإن كنت نبيا لم يضرك. فقد يمكن أن يعذرهم بتأويلهم، وأيضًا فإنه كان لا ينتقم لنفسه تواضعًا لله، وكان لا يقتل أحدًا من المنافقين المناصبين له بالعداوة والغوائل، لأنه كان على خلق عظيم من الصفح، والإغضاء والصبر، وأصل هذا كله أن الإمام فيه بالخيار إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه وفيه من علامات النبوة. [2]
(1) - أخرجه البخاري في 58 كتاب الجزية (7) باب فتح الباري 6/ 272. وفي كتاب الطب 55
(2) - شرح ابن بطال - (ج 9 / ص 428)