وعن أبي مالكٍ الأشعري - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالْاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ» ، وقال: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» [1] .
قلتُ: تبًّا ثمَّ تبًّا للروابط الجاهلية التي تُقدَّم على رابطة الإسلام كالقومية [2] والوطنية [3] ونحو ذلك، حتى أصبحت هي ميزان الولاء والبراء عند بعض الجهلة من الناس؛ فاللهم إنَّا نبرأ إليك من هذا.
وأخيرًا .. نقول كما قال الإمام محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله:
(اعلم أن من أطاع الرَّسول ووحَّد اللهَ لا يجوز له موالاةُ من حادَّ الله ورسولَه ولو كان أقربَ قريب) [4] .
فنحن نُحِبُّ المؤمنَ ولو كان نسبُه منا أبعدَ نسب، ولو كانت دارُه منا أبعدَ دار، ونبغض المشركَ ولو كان نسبُه منا أقربَ نسب، ولو كانت دارُه منا أقربَ دار.
(1) أخرجه مسلم (934) ، كتاب الجنائز، باب: التشديد في النياحة.
(2) المقصود بالقومية: التعصب لقومٍ بعينهم، كالقومية العربية المزعومة، وهي الدعوة إلى جعل العروبة الأصلَ الذي نُوالي ونعادي عليه، فنتعصب للعروبة وتكون مقدَّمة عندنا على الدين -هكذا يريد دعاة القومية العربية؛ بل بعضهم -مثل دعاة حزب البعث- يجعلون دين الإسلام مُسوحًا يتمسحون به، وهم في حقيقة أمرهم لا يعظمون الإسلام، ولا يرفعون به رأسًا.
(3) وقد ابتلينا في هذا الزمن بعلو نَبرة الوطنية والغلو فيها والدعوة لجعلها أعظمَ الروابط وأعلاها، وهذا لا شك خلاف طريقة المسلمين، وخلاف منهج الإسلام الذي جعل الولاء والبراء على دين الإسلام فقط، وجعل جميع الروابط الأخرى تبعًا له.
وأقول: لا وحدةَ للمسلمين إلا بالإسلام وعلى الكتاب والسنة بفَهم سلف الأمّة، وعلى هذا دلَّ قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] ، والمراد هنا بحبل الله: دينه؛ فدين الله هو الذي يَجمع، أَمَّا ما سواه فهو الاختلاف والفرقة؛ فينبغي للدعاة التنبه لهذا، وألا يتابعوا من يدعون للوحدة الوطنية، وأن يقولوا: نحن ندعو للوحدة على الكتاب والسنة، والبراءة ممَّا خالف الكتاب والسنة، بهذا تحصل الوحدة والأمان، ويذهب التفرقُ والنزاع؛ بعلو الإسلام ورفعته، وذلة الشرك وأهله.
(4) شرح ثلاثة الأصول، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ص 34.