يقول محي الدين مستو في كتابه"الطعام والشراب بين الاعتدال والإسراف [1] إذا كانت التخمة تمرض وتميت، فإن الحرمان يمرض النفس ويُفترّ عن العبادة أما الوسطية فإنها تنشط النفس وتظهر روحانيتها، فالاعتدال توسط بين التقتير والإسراف وبين البخل والإنفاق الزائد عن الحلال في المأكل والمشرب."
وقد حث رسول الهدى عليه السلام على الاعتدال وحض على التقلل من الطعام والشراب، فقال عليه الصلاة والسلام"الكافر يأكل في سبعة أمعاء والمؤمن يأكل في معي واحد"راوه مسلم قال حاتم الطائي ذامًّا كثرة الأكل:
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله = وفرجك نالا منتهى الذم اجمعا
إن الاعتدال إذن، هو التوسط بين الجوع والتخمة بالتقليل من كمية الطعام والشراب دون أن ينقص عن حاجة البدن والعمل. وفي ذلك فوائد جمة منها: صحة الجسم وجودة الفهم، وقوة الحفظ، وقلة النوم، وحفظ النفس، قال بعض العلماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء.
وفي المقابل فإن الإقبال على الطعام بشره زايد يجعل الأغذية عند النهمين المسرفين هدفًا وغاية، يبذلون من أجلها الأموال الباهظة، ويمضون أوقاتًا طويلة في الأسواق يشترون ألوان الأطعمة. وهؤلاء الذين جعلوا همهم بطونهم وأهدافهم ملذاتهم وشهواتهم، يضنون بأموالهم عن مساعدة بائس أو إعانة فقير فنتج عن ذلك بطون جائعة وأموال ضائعة.
إن الإسراف والتبذير والترف والمباهاة سلوكيات استهلاكية خطرة دخلت مع الأسف حياة الناس وشملت معظم جوانب الحياة المختلفة، فهناك التنويع في الأطعمة والأشربة في الدعوات العامة والمناسبات وولائم الأعراس التي تكلّف أموالًا طائلة، وهناك الموائد المفتوحة المشتملة على أصناف عديدة، لقاء مبالغ محددة عن كل شخص وهناك الولائم المخصصة في حالات الوفاة والمآتم.
فيا عجبًا من مجتمع يقيم الأفراح والولائم، والمجتمعات المسلمة تعاني من الأحزان والمآتم، وقديمًا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه كلمته المشهورة:"ما جاع فقير إلا بما تمتّع به غني".
ورد عن القاضي عياض رحمه الله قوله:"إن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره، وغلبة الشهوة، وهي وسيلة، مسبّبٌ لمضار الدنيا والآخرة وجالب لأدواء الجسد وخثار النفس أي فتورها."
إن الإسراف في تناول الطعام والشراب يؤدي إلى اختزانها في الجسم وتحولها إلى لحم وشحم وبدانة وبطنة، تقعد بالإنسان عن كثير من أعماله ونشاطاته، وقديمًا قيل:"البطنة تذهب الفطنة"وقد ورد عن عمر بن
(1) محي الدين مستو - الطعام والشراب؛ ص 27.