والقوام، وبعدًا عن أسلوب ومنطقة الإسراف والتبذير وضع الإسلام قيودًا نوعية وكمية وقعَّد قواعد حاكمة للعملية الاستهلاكية ومن ذلك:
(1) النهي عن حياة الترف: والترف هو المبالغة في التنعم، والمترف هو المتنعم المتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، والإسلام لا يحبذ الترف بل يعده سلوكًا غير سوي وسبب في نزول العذاب وهلاك الأمم ودمارها، ومؤشرًا عن الابتعاد عن الطريق القويم، وعلامة على تخلخل كيان المجتمع واهتزازه، قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [سورة الإسراء، الآية: 16] . (2) النهي عن الإسراف والتبذير والسفه: والإسراف - كما بيننا - هو تجاوز القصد والاعتدال في الإنفاق وهو ما دون الترف. أما التبذير فيعني إنفاق المال وتفريقه إسرافًا في غير ما ينبغي.
والسفه ضد الرشد. وقد نهى الشرع عن الإسراف والتبذير لما ينطوي عليهما من تبديد غير واعٍ لموارد الفرد والمجتمع.
(3) الأمر بالاعتدال في الإنفاق: بحيث يكون المسلم متوازنًا بين مصالح الدين والدنيا والروح والمادة. فالنهي عن الترف والإسراف والتبذير، لا يعني الدعوة إلى البخل والشح والتقتير، إنما يعني الدعوة إلى الاعتدال. لما لذلك من آثار إيجابية على الفرد والمجتمع، فإذا كان البخل يقود إلى نقص الميل للاستهلاك، فإن الترف والإسراف يقودان إلى تبديد الموارد وإتلافها، وكلاهما آفة.
(4) الابتعاد عن استهلاك المنتجات المحرمة والضارة: ويعني هذا أن تكون المنتجات من الطيبات المتصفة بالحسن والنقاء والطهارة فقد أحل الله الطيبات وحرم الخبائث. والقاعدة الفقهية تقول: لا ضرر ولا ضرار.
(5) عدم المباهاة والخيلاء: إذ الإسلام ينظر إلى الإنفاق الاستهلاكي باعتباره قوام المجتمعات، ومن الواجبات الاجتماعية. ومن ثمَّ، فينبغي أن يحذر المسلم من أن يُداخل إنفاقه مباهاة أو خيلاء. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [سورة البقرة، الآية: 264] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"لا ينظر الله يوم القيامة إلى منْ جرّ ثوبه خيلاء"متفق عليه.
(6) تذليل النفس البشرية بالجوع: لتضيق مجاري الشيطان. فالنفس البشرية إذا شبعت تحركت وجالت وطافت على أبواب الشهوات، وإذا جاعت سكنت وخشعت وذلت.
وقد ورد عن جمع من العلماء والفقهاء [1] أن في الجوع فوائد جمة ومن ذلك:
(1) ينظر: الجوع - ابن أبي الدنيا، ص 20 - 60, إحياء علوم الدين - أبو حامد الغزالى، جـ 3/ 91 - 130.