هذا، ومن يتأمل الرواية على مستوى الضمائر والمنظور السردي، فإنه سيجد، بلاشك، أن هذه الرواية تقدم من خلال منظورين متقابلين: إما عبر منظور ذاتي قائم على الرؤية الداخلية، من خلال الاستعانة بضمير المتكلم، وتشغيل المعرفة المتساوية التي يشترك فيها السارد مع الشخصية المحورية، وإما عبر منظور موضوعي قائم على الرؤية من الخلف من جهة، والرؤية من الخارج من جهة أخرى. وتعتمد الرؤية من الخلف - كما هو معلوم- على ضمير الغائب، واستقلال السارد وحياديته، ونزوله إلى درجة الصفر من الموضوعية، والارتكان إلى المعرفة المطلقة التي تستكنه الداخل النفسي للشخصيات، وترصد أبعادها الخارجية. ويمكن تسمية هذه الرؤية من الخلف كذلك بـ"القص غير المركز Non focalise"، أو نسميه أيضا بالتركيز عند درجة الصفر كما عند جيرار جنيت. وقد أخذ هنري جيمس على هذا القص"أنه أدى إلى التفكك وعدم التناسق. حيث إن الانتقال المفاجئ من مكان إلى مكان، أو من زمان إلى زمان، أو من شخصية إلى شخصية دون مبرر، بل دون الانطلاق من بؤرة قصصية محددة، تكون نتيجة التشتت، وعدم الترابط العضوي بين المقاطع المختلفة في الرواية. ولذلك، نادى بضرورة اختيار بؤرة مركزية تشع منها المادة القصصية أو تنعكس عليها. وتعد رواية (السفراء) لهنري جيمس مثالا نموذجيا لهذا النوع من القص. فالأحداث والشخصيات والمكان والزمان تقدم كلها من خلال منظور شخصية بعينها من الشخصيات. وهذه التقنية أسماها جون بويون"الرؤية مع"." [1]
في حين، تستند الرؤية الخارجية إلى ضمير الغائب أو ضمير المخاطب بالتركيز على البعد
(1) - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985 م، ص:182.