الصفحة 104 من 154

أكثرهم مات في شبابه، ومع ذلك، عادوا لذكرياتهم، وهذا هروب من داخل النفوس فهم فجروا أنفسهم من الداخل، وضاقوا بالحياة ذراعًا، يتعطشون لذكريات الطفولة الهادئة هروبًا من الحاضر المؤلم، ومواطن الذكريات عندهم هي مسارح الحب.

يقول الهمشري في أرنجة ذابلة:

حتى إذا حل الصباح تنفست ... فيها الزهور وزقزق العصفور

ويقول ناجي في مخالفة دينية: يصف دار أحبابا له وقد تغيرت حالها بعد ردحا من الزمن:

هذه الكعبة كنا طائفيها ... والمصلين صباحًا ومساءً

كم سجدنا وعبدنا الحسن فيها ... كيف بالله رجعنا غرباء

فهو قد منح الاستعارة روحا فياضة تقديسا لموطن الذكريات حين وظف الكعبة والصلاة التي تمثل أرقى الأحاسيس البشرية. الجمال من المثيرات الوجدانية التي أثارت كوامن مشاعرهم، فكان الجمال سهام ترشق الشاعر فيذوب وتستحوذ على لبه وعقله، ويصور إبداعه بروعة المضمون ورقة الروح وتلاحم الأحاسيس فهم يبدعون تجاربهم في لغة عذبة أنيقة رقيقة تحمل معالم الجمال التي لم يستطع أحد أن يدرك ماهيته ويحدد مفاهيمه فتجلى ذلك الضباب في أشعارهم بصورة واضحة انظر إلى روعته في القصيدة (الجندول) لعلي محمود طه فإنها تنبجس ببهجة الجمال غير أن ذلك يستدعي تهميش العقل والقبض على مضمون واضح للعيان إنما هي نبض من الأحاسيس والنغم وروعة السياق.

أين من عيني هاتيك المجالي ... يا عروس البحر، ياحلم الخيال

أين عشاقك سمار الليالي ... أين من واديك يا مهد الجمال

موكب الغيد وعيد الكرنفال ... وسرى الجندول في عرض القنال

بين كأس يتشهى الكرم خمره ... و حبيب يتمنى الكأس ثغره

إلتقت عيني به أول مرة ... فعرفت الحب من أول نظرة [1]

(1) الديوان 120

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت