في الحقيقة أن سلاطينها على ما كانوا عليه من حرص على الإسلام، وما قدموا من جهود عظيمة وبارزة إلا أنهم كانوا في شغل عن الحياة الفكرية في الداخل، فقد تكالبت عليهم الدول كالقيصرية (روسيا) من الشرق، وأوروبا من الغرب، لأنها وقفت ضدهم فأرادوا إضعافها من خلال خططهم طويلة المدى. أما من الناحية الفكرية فكان يتجلى في موقفها الداخلي، فقد جمعت العالم الإسلامي بقوة السيف، ولا ضير في ذلك، ولكنها انشغلت بالحروب وقد اختلف المؤرخون والمفكرون اختلافا واضحا حول هذه الدولة، فبعضهم يقول: إنها تجمع الأمة بكاملها تحت لواء واحد فلماذا لا نعلن الخلافة لها؟ وبعضهم ينظر لها بأنها قد أهملت أقطارها وغفلوا عن الأقاليم الإسلامية لا سيما العربية منها، فقد أخذوا يجمعون منها الأموال والضرائب ويستنزفون الناس ويهلكونهم دون أدنى إصلاح، بل يذكر المؤرخون أنهم كانوا يحاربون الوالي الذي يقوم بعمل الإصلاحات في قطره! وبرر عمر فروخ ذلك بأن الولاة هم السبب ويكفينا مافعله مدحت باشا في العراق حين قام بالإصلاحات فيها وترك حرية الرأي، فأرسلوا من يطفئ هذا الوهج، فهم يظنون أن التقدم الفكري سيحطم دولتهم، وهذا ناتج عن استبدادهم بالرأي العام وعدم التزامهم بالتوجيه الإسلامي. ومما زاد الطين بله أنهم أهملوا اللغة العربية في السنوات المتأخرة من حكمهم ونحن نعلم أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، ودواوين الإسلام ومصنفاته كذلك. وهذا الأمر سبقهم به الأتراك المماليك لكن المماليك أهملوها في تعاملهم مع بعضهم وفي خلواتهم، ولم يهملوها كلسان رسمي للدولة، أما العثمانيون فقد أهملوها كلية وبالتالي اختفت العواصم الأدبية بعض الشيء، وهم لم يعملوا على فتح المدارس والمعاهد العلمية ولم يأخذوا بأسباب التطور في سائر الأقاليم، بل لم تنشر التوطين والأمن بين القبائل والعشائر في الجزيرة العربية وغيرها.
ويرى عمر فروخ أن الأدب ما زال مستمرا ولم يختف، ولكن الدولة جعلت للولاة السلطة وهم متفاوتون في تشجيع الأدب وعدمه والحقيقة أن هناك أدباء ضعفاء اتهموا بالعبث في الشعر، ولكننا لما نظرنا إلى شعرهم وجدناه على غير ما رموا به. والخلاصة أن الأدب موجود في هذا العصر، وقد وجد في العواصم الحضرية (بغداد، دويلات اليمن، مكة، المدينة المنورة، دمشق، القاهرة، حلب) وكان التعليم على مستوى الكتاتيب