والمساجد، أما المدارس فهي قليلة بعض الشيء، فالدولة لم تعتن بالمدارس، وقد سطا حاشية الولاة على أوقاف المدارس ولم تعتن الدولة بالقبائل العربية في الجزيرة العربية والعراق والشام ومصر، فلم تول اهتمام يذكر بتعليمهم وتوطينهم فكانوا مصدرا للإزعاج، يثيرون الخوف بين الناس، ولا سيما في الجزيرة فقد كانوا يأخذون الإتاوة من الحجاج من أجل تأمينهم، فالدولة لم توزع الخيرات على أقاليمها فانتشر الجهل، وعمت العامية، وأخذت الدولة الإسلامية تتأخر القهقرى، وفي المقابل أخذت أوروبا في التقدم والنهضة حتى سقطت الخلافة 1342 هـ- 1923 م.
وخلاصة القول: إن الدولة العثمانية لم تبن الفرد المسلم، بل تظن أنها إن فعلت ذلك تنمي القوة في تلك الجهة فتشق عصا الطاعة عن الدولة. ولما تقدمت أوروبا حجرت عليهم الدولة العثمانية فلم توصل ذلك التقدم إلى أبنائها مما ساعد على سقوطها. وفي آخر المطاف أنشأ الأتراك جمعية الإتحاد والترقي، وزعموا أنها تابعة للخلافة، وتبنت بعض المبادئ من إحياء المواهب والعمل نحو النهضة .... وغير ذلك، وقامت بخلع السلطان عبد الحميد عام 1909 م. ولكن هذه الجمعية اضطهدت العرب ورفعت شأن العنصر التركي، وأجبرت الناس على التحدث باللغة التركية، وألغت اللغة العربية فخابت آمال العرب مرة أخرى كما خابت قديما، وأخذ الإستعمار يهدم الأمة ويقسم تركة الرجل المريض، وأخذ اليهود يدسون المؤامرات وقام مصطفى كمال أتاتورك بثورته التي نزع بها الخلافة وأسقطها وعاد بالدولة العثمانية القهقرى، وأخذ يحارب الإسلام والمسلمين، وفعل أفاعيله عليه من الله ما يستحق، وتحللت الدولة التركية من الإسلام وتفسخت منه، وأخذ المتخرجون من المدارس التبشيرية المتشبعون من المبادئ الفرنسية المتمردون على الدين يظهرون للملأ عداوتهم وحقدهم.
ويقول أحمد محرم عن الدولة العثمانية:
يمشي الزمانُ مُكبًَّا تحت ألويةٍ ... راموا السماء فنالتها عواليها
صانوا (الكتابَ) فصان اللهُ دولتَهم ... واستؤصلت دولٌ بالسوءِ تبغيها [1]
ويقول: ـ
(1) عبدالعزيز الثنيان / الوحدة الإسلامية في الشعر الحديث ص 105