الصفحة 92 من 154

وقد استحوذ عليهم الجانب السوداوي فالعقاد يطيل التأمل في الليل وظلامه ويتأمل ما يحتويه هذا الليل بل يرى تواصل الظلام من الآفاق إلى الأرض ويكسو الإنسان والحياة بسواده: ـ

غربَ البدرُ؟ أم دفين بقبرِ ... وهوى النجم؟ أم أوى خلف سترِ؟

ضل هادي العيون واحلَوْلَك ... الليل فلا فرقَ بين أعمى وهِرّ

ماج حتى كأنما يصدم البحر ... بموج من بحره مسبكر

وترى البحر، تحسب الماء حبرا ... وكأن السماء أعماق بحر

ظلمات تحيط بالطرف أنّى امتدّ ... لم يعْدُ مدُّه قيد شبر

ولَهذا الظلامُ خير من النور ... إذا كنتَ لا ترى وجهَ حرّ

ها هنا أُطلقُ العنانَ لأشجاني ... وأبكي نفسي وأنشد شعري [1]

وإعمالهم العقل وطول تفكيرهم والتأمل في حراك الإنسان قديمًا وحديثًا ومضي الزمن وسرعة زواله كلها منقصات الحياة أدركها الشاعر المازني يقول فيها:

وما نظميَ الأشعارَ إلا عُلالةً ... لَوَ أنّ سُلوّا بالقريض يكونُ!

وما هي إلا برهة ثم ينثني ... يكرّ مضيضٌ في الحشا وحنين

فصبرًا طويلًا، إنما هي رقدة ... وتذهلني عمّا لقيت منون

وصبرًا جميلًا يا سمير، ففي غدٍ ... تسلّيك عن سحر الجفون جفون

تهيم بهذي، ثم تسلوا بغيرها ... ويُصيبك من بعدالجبين جبين

فوطِّن على السلوان نفسك، إنني ... خبير بأدواء القلوب طبين

وأنا كأهل الكهف نصحوا وما نعي ... فتيلًا، ولو أن الرقاد قرون! [2]

ويربط المازني بين رغبته في الخلاص بالموت، وعشقه الطبيعة والحياة وأغانيه للحب والجمال، كما ربط مالك بن الريب التميمي من قبل ـ على اختلاف الروح والعصر ـ بين موته والفروسية وحب الأهل والوطن، وهو بهذا الوصل يؤكد ماذكرناه من أن الحديث عن الموت لا يعني أن الشاعر يرجوه حقًا، لكنه مجرد تصوير حاد للرغبة في الخلاص، على نحو ما، لايزال الشاعر مشدودًا فيه إلى الطبيعة والحياة

ومن ذلك قوله من قصيدته"الشاعر المحتضر":

(1) الديوان: ص 73

(2) الديوان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت