فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 138

-عُرِف لدى النقاد القدماء البحث في القصائد على البيت والبيتين لضرورة لغوية أو بلاغية أو تركيبية، يقول القاضي الجرجاني:"وقد تجد كثيرا من أصحابك ينتحل تفضيل ابن الرومي ويغلو في تقديمه، ونحن نستقرئ القصيدة من شعره، وهي تناهز المائة أو تُرْبي أو تضعف، فلا نعثر فيها إلا بالبيت الذي يروق أو البيتين؛ ثم قد تنسلخ قصائد منه وهي واقفة تحت ظلها، جارية على رسلها، لا يحصل منها السامع إلا على عدد القوافي وانتظار الفراغ، وأنت لا تجد لأبي الطيب قصيدة تخلو من أبيات تُخْتَار، ومعان تستفاد، وألفاظ تروق وتعذب، وإبداع يدلُّ على الفطنة والذكاء، تصرُّف لا يصدر إلا عن غزارة واقتدار" [1] . فهذا الناقد لا ينظر إلى القصيدة في كليتها، بقدر ما يرى فيها البيت والبيتين المختارين لوظيفة معنوية أو لغوية، ويقصر اقتدار الشاعر على هذا البيت على الرغم من طول القصيدة.

-سادت النظرة التجزئية -كذلك- من خلال مقولة"أحسن بيت"و"أفحش بيت"... التي نجدها في التراث النقدي العربي القديم، احتفالا بالبيت الشعري، ومن الأمثلة ما أورده صاحب المصون في الأدب بقوله:"وأفحش بيت قالته العرب قوله:"

قَوْمٌ إِذَا طَرَقَ الأَضْيَافُ دَارَهُمْ ... قَالُوا لأُمِّهم بُولِي عَلَى النَّار

وقال عبد الملك بن مروان: أهجى بيت:

فَإِنْ تُصِبْكَ مِنَ الأَيَّامِ جَائِحَةٌ ... لَمْ أَبْكِ مِنْكَ عَلَى دُنْيَا وَلاَ دِين

قال: وامدح بيت قول بيت زهير:

تَرَاهُ إِذَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلا ... كَأَنَّهُ مُعْطِيكَ الذِي أَنْتَ سَائِلُهُ" [2] "

وتتعدد مثل هذه الأمثلة في التراث الأدبي والنقدي العربي.

كما برزت -كذلك- في هذا التراث ظاهرة التفاضل بين الأبيات في سياق النظرة التجزيئية للبيت، بحيث تقام المسابقات لقول بيت شعري في شيء معين مثل: درع أو ثريا ... يقول أبو أحمد بن عبد الله العسكري (تـ 382 هـ) :"أخبرنا أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري قال: أخبرنا أبي قال: أخبرنا أحمد بن عبيد قال: قال الهيثم بن عدّي: قال لنا صالح بن حسان: أنشدوني أحسن شيء قيل في الثريا، قلنا: بيت امرئ القيس:"

إذا ما الثريا في السماء تعرَّضَتْ ... تعرُّضَ أثناءِ الوشاح المفصَّل

قال: أريد أحسن من هذا: قلنا: بيت عبد الله بن الزبير:

وقد حزن الغَوْرُ الثُريا كأنها ... يدا رايةٍ بيضاءَ تَخْفُقُ لِلطَّعن

قال أريد أحسن من هذا. قلنا: بيت ذي الرمة:

(1) - الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص:55.

(2) - المصون في الأدب، ص:21.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت