في البيت المسروق. ومن الأمثلة على ذلك نذكر مثلا ما قاله السبتي:"وينظر قول الناظم:"فلم تجود قدر ما ضنَّتْ حَكَتْ إلى قول بعضهم:
لو كما تَنْقُصُ تزدا ... دُ، إذًا صِرْتَ خَليفهْ" [1] "
هذه بعض مظاهر النظرة التجزيئية للقصيدة والاحتفال بالبيت الشعري لدى نقاد القرن الهجري الثامن المذكورين، دون أن يعني هذا أن هذا هو ديدنهم في تناول القصيدة الشعرية، بل نجد منهم من تناول هذه القصيدة في وحدتها دون تجزيء كما سنقف عنده في المطلب الثالث من هذا المبحث.
وتلخص هذه النظرة التجزيئية أن هؤلاء النقاد لم ينظروا إلى القصيدة نظرة أدبية فنية، بقدر ما نظروا إليها على أنه ديوان علم، ومعجم لغة، وخزان أحداث تاريخية، وتطبيقات بلاغية ونقدية ثاوية في كل بيت بيت. وهي مظاهر لانعدامها في التراث النقدي العربي القديم:
-يلخص الجاحظ النظرة اللغوية والتاريخية والإخبارية التي تُغَلِّف كل بيت من القصيدة بقوله:"لم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أر غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل" [2] .
-تجلت تلك النظرة التجزيئية للقصيدة في التراث من خلال عقد المقارنات بين الأبيات الشعرية التي تقلد نفس البيت، فقد عُرِفَ في التراث الأدبي وجود أبيات منفردة حازت على إعجاب الشعراء فراحوا يقلدونها ويتنافسون في ذلك. يقول ابن سلام الجمحي (تـ 232 هـ) :"وكان الفرزدق أكثرهم بيتًا مقلَّدًا. و"المقلد": البيت المستغنى بنفسه، المشهور الذي يُضْرَبُ به المثل" [3] ، فهذا البيت مستقل بنفسه معنويا وتركيبيا، فيتنافس الشعراء على تقليدهم، وتتم المنافسة بين الشعراء على درجة تقليد كل منهم له. ويورد المرزباني مثالا لهذه المقارنات الخاصة بالبيت المقلَّد، يقول:"حدثني محمد بن عبد الواحد قال سمعت ثعلبا يقول- وسأله أبو سهل النَيْبُخْتِي-: ما تقول في جرير والفرزدق؟ فقال: قال محمد بن سلام اجتمعنا جماعة فقوم تقلدوا حذق الفرزدق وقوم تقلدوا حذق جرير. قال فقلنا لبعضهم اذهب فأخرج مقلدات الفرزدق، وقلنا لآخر اذهب فاخرج مقلدات جرير، قال فجاء صاحب الفرزدق فأخرج معايب شعر الفرزدق، وجاء هذا فأخرج المقلدات فكانت مقلدات جرير أكثر من معايب الفرزدق" [4] .
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:381.
(2) - البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، مكتبة خانجي، ط 7، القاهرة، 1418 هـ/1998 م، ج 4، ص:24.
(3) - طبقات فحول الشعراء، طبقات فحول الشعراء، محمد بن سلام الجمحي، قرأه وشرحه محمود محمد شاكر، دار المدني بجدة، د. ط)، (د. ت) ، ص:360 - 361.
(4) - الموشح مآخذ العلماء على الشعراء في عدة أنواع من صناعة الشعر، أبو عبيد الله محمد بن عمر المرزوباني، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الفكر العربي، (د. ط) ، القاهرة، (د. ت) ، ص:117.