فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 138

وتتضح هذه النظرة التجزيئية للقصيدة. والاحتفال بالبيت الشعري من خلال الإتيان بها مجزأة مقتطفة في معرض مناقشة القضايا اللغوية والنقدية والبلاغية لدى النقاد والشراح على حد السواء. ومن الأمثلة ما ذكره السجلماسي في تناوله للاستعارة، يقول:"فمن صور الاستعارة البديعة ... قوله في الشعر:"

أَقُولُ وَقَدْ طَالَ لَيْلِي عَلَيَّ ... أمَّا لِشَبَابِ الدُّجَى مِنْ مَشِيب

وقوله:

يا دَهْرُ باللَّه أذِقْ غُرَابَها ... مَوْتًا من الصبح ببازٍ كُرَّز

وقوله:

لَبِسْنَا رِدَاءَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ رَاضِعٌ ... إلى أَنْ تَرَدَّى رَأسُه بمشيبِ" [1] "

ويسترسل في إيراد هذه الأبيات الواحد تلو الآخر، وكلها شواهد على مبحث الاستعارة. دون أدنى اعتبار لتلك القصائد التي اقتطفت منها.

وتتجلى هذه النظرة التجزيئية -كذلك- من خلال حديث النقاد عن أحسن بيت وأظرف بيت وغيرها من الأوصاف، يقول السجلماسي:"وقد أبدع أبو الفضل الهمداني في قوله:"

وَلَيْلٍ كذكراه كمعناه كاسمِه ... كدينِ ابن عبَّادٍ كإدبارِ فَائقِ" [2] "

ويقول الشريف السبتي في نفس المضمار:"وذكرت بذكره شمس الحسن والكناية بتواريها عن الرحيل قول أبي العلاء المعري، وهو من أبدع شيء في معناه:"

وكُنْتِ لأجل السِّنِّ شَمْسَ غُدَيَّةٍ ... ولكنها لِلْبَيْنِ شَمْسُ أَصِيل" [3] "

ويقول أيضا:"ولأبي الحكم مالك بن المرحل في ذكر ساق حرّ، وهو من أظرف ما قيل في ذلك:"

حَيْثُ لا مُسْعِدٌ على الوَجْدِ إلاَّ ... عَيْنُ حُرٍّ تجودُ أو ساقُ حُرِّ" [4] "

ومثل هذه الأمثلة كثيرة في ثنايا مصنفات نقاد القرن الهجري الثامن، وهي تبرز هذا الاحتفال ببعض الأبيات منفردة على أنها بديعة وطريفة وحسنة.

وتجلى اهتمام نقاد القرن الهجري الثامن بوحدة البيت الشعري والاحتفال به من خلال مبحث السرقات الأدبية، فكان هؤلاء النقاد يقفون عند البيت والبحث عن احتمالات السرقة، علما أن البيت ورد ضمن سياق مختلف عما كان عليه

(1) - المنزع البديع، ص:238 - 239.

(2) - المنزع البديع، ص:469.

(3) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:201.

(4) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت