فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 138

قَتَلْنَا بِعَبْدِ الله خَيْرَ لِدَاتِهِ ... ذُؤَابَ بْنَ أَسْمَاءَ بْنِ زَيْدِ بْنِ قاربِ [1]

يقول:"قلت: وبيت دريد بن الصمة أَبْدَعُ في هذا الباب من بيت الأعشى، وإن كان كلُّ واحد منهما قد أتى بأربعة أسماء من غير تكلُّف" [2] .

فهذا الاقتطاع الذي قام به لهذين البيتين من قصيدتيهما الأصليتين والإتيان بهما لعقد هذه المقارنة على أرض سياق جديد يجعل منهما كيانين لا يحملان في طيّهما إلا ألفاظ ومعان سطحية. لأن الجذور التي تربطهما بالقصيدة الأصل قد قطعت. بل وكأن هؤلاء الشراح لا يؤمنون بوجود هذه الجذور البتة.

بل وأحيانا نجد الشريف السبتي يقارن بين الصناعة الشعرية في بيتين شعريين، وكأنه يرى أن كل بيت يجب أن يخضع لنفس الصناعة التي خضع لها غيره. دونما نظر إلى سياقه في القصيدة. يقول معقبا بيت حازم:

فاعْمُمْ بِأَوْصَافِ العُلاَ كَمَالَهُ ... واسْتَثْنِ فِي وَصْفِ سِوَاهُ بـ"سِوَى"

يقول:"والمعنى في البيت الأول وتالييه واحد، وهو أنَّ لِمادح هذا الأمير أن يصفه بجميع أوصاف المعالي من غير استثناء، وليس له ذلك في غيره إلا بتقييد. وما أفاد في واحد من هذه الأبيات زيادة على ما أفاده في الأخيرين سوى تَرْدَاد العبارات والإطالة من غير طائل، وقد يُسْتَحْسن تنويع العبارة إذا جيء بالمعنى في عبارات تفيد كل واحدة منهن ما لا تفيد الأخرى، كقول ابن الرومي:"

هي الأعْيُنُ النُّجْلُ التي كُنْتَ تَشْتَكي ... مَوَاقِعَهَا فِي القَلْبِ، والرَّأْسُ أَسْوَدُ

فما لك تَأْسَى الآن لَمَّا رَأَيْتَها، ... وَقَدْ جَعَلَتْ مَرْمَى سِوَاكَ تَعَمَّدُ؟

تشَكَّى إذا ما أَقْصَدَتْكَ سِهامُها ... وَتَأْسَى إذا نَكَّبْنَ، عنك، وتَكْمَدُ

كذلك تلك النَّبْلُ مَنْ صُرِفَتْ لَهُ ... وَمَنْ صُرِفَتْ عنه من الناس مُقْصَدُ

"فقد تسلسل في المعنى وتصرّف فيه، وأبرزه في عبارات شتَّى، ومال به إلى جهات من المقاصد، بخلاف أبيات الناظم، فإنَّه لم يُفِدْ في واحدٍ منها غير ما أفاده في الآخر، فهي في باب الأقبح أَدْخَلُ" [3] . فقد حكم على أبيات حازم بالقبح، بالمقارنة مع أبيات ابن الرومي، دون أن يشير أن موضوع قصيدة هذا الأخير قد تسمح بهذا التنويع، خلاف قصيدة حازم التي قد لا يسمح بذلك.

(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:402.

(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:404 - 405.

(3) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:416 - 417.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت