تقوم منهجية هذين الناقدين على تناول كل بيت على حدة، وجعله منطلقا لمناقشة العديد من القضايا التاريخية واللغوية والبلاغية والنقدية وغيرها، وإن كانت بعضها أو كلها أحيانا لا علاقة لها بالقصيدة وأجوائها ومعانيها:
يقول السبتي شارحا لبيت حازم القرطاجني:
وَأَطْرَبَتْ تَوْبَةَ فَاسْتَسْقَى الحَيَا ... لَهَا بِبَطْنِ الوَادِيَيْنِ وَدَعَا [1]
يقول:"الحيا: المطر، واستسقى: طلب السقيا. وبطن الواديين: موضع" [2] . يسوق الشريف السبتي -هنا- شرحا لغويا، دون أن يربط هذه المعاني اللغوية بمدلولاتها، لبناء مقصد هذا البيت، ثم لم يربط هذا المقصد بمقاصد القصيدة ككل. وهي نظرة تجزيئية للبيت من زاوية لغوية. ثم يسوق هذا الناقد قصة توبة بن الحميِّر (تـ 75 هـ) ، ويعطي ترجمة له، ثم ذكر قصته مع ليلى الأخيلية (تـ 80 هـ) ، وذكر بعضا من أشعاره فيها. وأتى برأي النقاد القدماء في توبة، ثم ذكر القصص والروايات المرتبطة بقصة توبة وليلى. لكنه لم يربط كل هذا الجهد التوثيقي بمقصد البيت ومقاصد القصيدة.
هكذا؛ تناول هذا الناقد كل بيت في القصيدة مجزأً عما قبله وما بعده، ويفرد كل واحد منها بشرح لغوي واف، ثم يضيئه تاريخيا، وينقده نقدا بلاغيا، ويجعله منطلقا للخوض في بعض القضايا النقدية التي يثيرها.
وتتجسد هذه النظرة التجزيئية للقصيدة من خلال تكرار إثارة القضايا اللغوية والتاريخية والنقدية والبلاغية، ذلك أن كل بيت يشير إلى نفس القضايا، فيضطر هذا الناقد لإعادة الخوض فيها مرة أخرى.
يشرح الثعالبي الفاسي بيت صفي الدين الحلي:
وكل لحظ أتى باسم ابن ذي يزن ... في فتكه بالمعنى أول في هَرِمَ [3]
بقوله:"اعلم أن الناظم رحمه الله تعالى ضمَّن في هذا البيت اللقب المسمى بالتجنيس المعنوي وهو ينقسم إلى قسمين تجنيس إشارة وتجنيس إضمار والمقصود هنا تجنيس الإضمار" [4] ، ثم شرع إعطاء أمثلة للتجنيس بمختلف أنواعه، ثم أعطى نبذة عن ابن ذي يزن، وهكذا، دون أن يربط ذلك بمقصد البيت ضمن مقاصد القصيدة ككل.
وهذا التركيز على البيت مقابل القصيدة، تجلى لدى هؤلاء الشراح من خلال المقارنات التي كانوا يعقدونها بين الأبيات الشعرية، يقول السبتي مقارنا بين بيتي كل من الأعشى ودريد بن الصمة، يقول الأول:
أَقَيْسُ بنَ مسعودِ بن قَيْسِ بنِ خالدٍ ... وأنتَ امرؤٌ تَرْجُو شَبَابَك وائلُ [5]
ويقول دريد بن الصمة:
(1) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:309.
(2) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:309.
(3) - أنوار التجلي، ورقة:16.
(4) - أنوار التجلي، ورقة:16.
(5) - رفع الحجب المستورة، ج 1، ص:402.