تناول نقاد القرن الهجري الثامن قضية اختيار المبدع للوزن الشعري المراد القول الشعري على إيقاعه، حتى لا يكون كلامه نثرا، باعتباره"كلاما غير موزون" [1] ، وأن يكون هذا الوزن من أوزان العرب المعروفة، فصلا له عن النظم، يقول ابن خلدون:"وقولنا الجاري على أساليب العرب المعروفة فإنه حينئذ لا يكون شعرا إنما هو كلام منظوم" [2] ، فاختيار الوزن يسمح للمبدع أن يقصد إلى قول الشعر، وألا يخطئه إلى النثر أو النظم. ومن هنا كان الخروج عن بحور الخليل خروجا عن الشعر.
• انكسار الوزن:
وليس الخروج عن الوزن فقط هو الذي يخرج الكلام على نطاق الشعر، بل كذلك التعديل الجزئي في تفعيلاته يؤدي إلى انكساره، وخروجه عن الشعر، ولهذا سعى النقاد إلى دعوة الشعراء إلى تجنب كسر الوزن من جهة، وإعادة قراءة الشعر مكسور الوزن بهدف إصلاح الكسر، وقد عُرِف العبدري (تـ 700 هـ) بهذه المهمة في نقده، فسعى إلى الإشارة إلى موضع الكسر، يقول:"قلت: وفي كثير من هذا التخميس مقال، وليس لبعض أقسامه بالبيت اتصال، وأما ما خمِّس به أوَّلا قوله:"
ومُذِيقِ الكفرِ المُرَّيْنِ ... وأَبِي عمروٍ ذِي النُورَيْنِ الـ
ـمُستَهدي المُسْتَحْيِي البَهِج
فغلط لا شكَّ فيه؛ لأنه يؤدي إلى قطع همزة"المستهدي"وبقطعها ينكسر البيت لزيادة حرفين على وزن الخبب، وأظن أنّه نبَّه على هذا ولم يفته علما، فلذلك بقي على اعتقاد صحة الوجه الأول" [3] . في البداية لا بد من الإشارة إلى تفاعل العبدري مع هذا البيت الشعري، بين:"
-الناقد الموضوعي من جهة، حيث أشار إلى موضع العيب في البيت.
-والناقد الذي سعى إلى تبرير هذا العيب، وحاول إصلاحه محاباة لشيوخه، وتخفيفا من وطأة الانتقاد له من جهة أخرى.
يرى العبدري -في هذا النص- أن انكسار البيت معيب في الشعر، ويحدد العيب في كون وزن الخبب [4] أو المتدارك، قد انكسر بزيادة حرفين:
(1) - مقدمة ابن خلدون، ص:781.
(2) - مقدمة ابن خلدون، ص:789.
(3) - رحلة العبدري، أبو عبد الله محمد العبدري، حققها وقدم لها علي إبراهيم كردي، قدّم لها شاكر الفحام، دار سعد الدين للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، دمشق، 1419 هـ/1999 م، ص:150.
(4) - وزن الخبب ينقسم إلى ثمانية أجزاء:
فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن ... فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن