"- س: ولكن ماذا تقول عن بقية الحديث؟ ألا يبدو أنه خلط بين عناصر الموضوع؟ أم هل هناك ضرورة تحتم عليه أن يرجئ النقطة الثانية إلى المحل الثاني في حديثة بدلا من سائر النقاط الأخرى التي يتحدث عنها؟ أما أنا فلعل جهلي التام هو السبب في إحساسي بأن الكاتب كان يلقي القول الذي يحضره جزافيا؟ أم هل تدري أنت الضرورة البلاغية التي اضطر معها إلى ترتيب عناصر الموضوع بعضها إلى جانب البعض على هذا النظام؟"
-ف: إنه لكرم منك أن تظنني قادرا على تمييز هذه المقاصد بدقة.
-س: هاك شيء اعتقد على الأقل أنَّك ستوافق عليه، وهو أن كل حديث يجب أن يكون مكونا على شكل كائن حي له جسم خاص به بحيث لا تنقصه رأس ولا قدم، بل لا بد له من وسط مع وجود طرفين يكونان قد كتبا بشكل يتفق بعضهما مع البعض ومع الكل.
-ف: إننا لا ننكر هذا في الحقيقة" [1] ."
من خلال هذا الجزء من المحاورة يفصح أفلاطون عن فهمه لوحدة الخطاب، وتشبيه هذه الوحدة بوحدة الكائن الحي، مرتبة ترتيبا منطقيا.
وفكرة الترتيب المنطقي للوحدة، نجده لدى أرسطو تلميذ أفلاطون في دراسته للمأساة، فوجد أنَّ لها: بداية ووسط ونهاية. مستقلة استقلالا معنويا، وتتميز بوحدة الفعل، الذي يترتب عنه وحدة الأحداث وتناسل بعضها من بعض، ووحدة الهدف النهائي لها، يقول عن التراجيديا:"والتام -أو الكل- هو ما له مبدأ ووسط ونهاية، والمبدأ هو ما لا يكون بعد شيء آخر بالضرورة، ولكن شيئا آخر يكون أو يحدث بعده على مقتضى الطبيعة. أما النهاية فهي -على العكس- ما يكون هو نفسه بعد شيء آخر على مقتضى الطبيعة إما بالضرورة، أو بحكم الأغلب، ولكن لا يتبعه شيء آخر. والوسط هو ما يتبع آخر ويتبعه آخر أيضا. فينبغي إذن في القصص المحكمة ألا يبدأ من أي موضع اتفق ولا تنتهي إلى أي موضع اتفق" [2] ؛ يرى أرسطو أن بناء المأساة (التراجيديا) يخضع لنظام منطقي معروف لا يجوز الخروج عنه، ويعود إلى التشبيه الذي عقده أستاذه أفلاطون بين وحدة الخطاب وجسم الكائن الحي بقوله:"ثم إنه لما كان الشيء الجميل -سواء في ذلك الكائن الحي أو كل مركب من أجزاء- لما كان الشيء الجميل لا ينبغي أن تقع فيه الأجزاء مرتبة فحسب، بل ينبغي كذلك أن يكون له عظم لا أي عظم اتفق لأن الجمال هو في العظم والترتيب" [3] ؛ وهنا يختلط كذلك -كما اختلط لدى الناقد المريني- الترتيب المنطقي بالملمح الجمالي، إذ أن منبع الجمال قد يكون من موافقة المنطق كما وجدنا عند أفلاطون وأرسطو، كما يكمن كذلك في تكسير الترتيب كما رأينا في النقد المريني. ولا يترك أرسطو هيكلة الخطاب وفق أجزائه الثلاثة مفتوحا، بل حدد له طولا معلوما، وهو القدر الذي"يتفق فيه التغير من الشقاء إلى السعادة أو من السعادة إلى الشقاء في حوادث متسلسلة على مقتضى"
(1) - محاورة فايدروس، ص:91.
(2) - في الشعر، ترجمة شكري عياد، ص:58.
(3) - في الشعر، ص:60.