قد يكون بعد" [1] . وهي نظرة منطقية لوحدة المأساة، ثم يضيف كلاما آخر ليبرز الوحدة الجمالية، يقول:"وكذلك فإن الشجعان المقدَّمين إنما يفضلون إذا لم يجبنوا فيكونوا في أخريات الناس، ولم يتهوروا فيكونوا أول الرعيل. وكذلك الجيد في الحيوان إنما هو الوسط. وكل أمر جيد، مما فيه تركيب، هو الذي لا يتركب منه شيء، بل يتركب هو من الأطراف فيعتدل. وليس يكفي أن يكون المتوسط فاضلا لأنه وسط في المرتبة فقط، بل يجب أن يكون وسطا في العظم، فإن المقدار الفاضل هو الوسط في العظم" [2] ."
واضح من خلال هذا النص توسل ابن سينا بالأسس الجمالية لوحدة المأساة: العظم، والاعتدال، والوسط، والتركيب، وهي أسس استند فيها إلى أرسطو. ويفرق هذا الشارح بين المأساة والخطابة، فيرى أن هذه الأخيرة لا تخضع لعظم معين، بل بحسب انتهاء المحاورة بالاقتناع.
بعد أن يتناول ابن سينا أجزاء المأساة ووحدتها، ينتقل لتطبيق نفس تلك الملاحظات على الشعر، في تداخل بين مستويات الوحدة: منطقية وعضوية وجمالية، يقول:"فيجب أن يكون الشعر على هذه الصفة: أن يكون مرتبا فيه، أول ووسط وآخر، وأن يكون الجزء الأفضل في الأوسط؛ وأن تكون المقادير معتدلة؛ وأن يكون المقصود محدودا لا يتعدى ولا يخلط بغيره مما لا يليق بذلك الوزن، ويكون بحيث لو نزع منه جزء واحد فسد وانتقص، فإن الشيء الذي حقيقته الترتيب إذا زال عنه الترتيب لم يفعل فعله. وذلك لأنه إنما يفعل لأنه كل، ويكون الكل شيئا محفوظا بالأجزاء، ولا يكون كلاًّ تاما عندما لا يكون الجزء الذي للكل" [3] .
ويذهب ابن رشد المذهب نفسه في تناول أجزاء صناعة المديح، وإعادة تكرار ما جاء به أرسطو وابن سينا، يقول:"يجب أن تكون صناعة المديح مستوفية لغايات فعلها، أي أن تبلغ من التشبيه والمحاكاة الغاية التي في طباعها أن تبلغه. ذلك يكون بأشياء: أحدها أن يكون للقصيدة عِظمٌ ما محدود تكون به كُلاًّ وكاملة. والكل والكامل هو ما كان له مبدأ ووسط وآخر. والمبدأ"قبل"، وليس يجب أن يكون"مع"الأشياء التي هو لها مبدأ. والآخر هو"مع"الأشياء التي هو لها آخر وليس هو"قبل". والوسط هو"قبل"و"مع"، فهو أفضل من الطرفين إذ كان الوسط في المكان قبل وبعد" [4] ، ثم يعيد تكرار كل ما قاله ابن سينا -سابقا- حرفيا.
هكذا يبدو أن كل من ابن سينا وابن رشد قد تناولا الوحدة الفنية للشعر على ضوء الفهم الأرسطي، وجميع هذه الفهوم تناولت الوحدة في مستويات: المنطقية والعضوية والجمالية. وهي أفكار نجد لها امتدادا لدى نقاد القرن الهجري الثامن.
ت الوحدة العضوية في التراث النقدي العربي القديم.
(1) - الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب"الشفا"، ابن سينا، تحقيق عبد الرحمان بدوي، ص:181.
(2) - الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب"الشفا"، ص:181.
(3) - الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب"الشفا"، ص:183.
(4) - تلخيص كتاب أرسطوطاليس في الشعر، ابن رشد، تحقيق عبد الرحمان بدوي، ص:212 وما بعدها.