فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 138

وبالرجوع إلى التراث النقدي العربي القديم، نجد أن قضية الوحدة العضوية للقصيدة أسالت مداد أقلام القدماء من النقاد العرب، ونميز فيهم بين نقاد تناولوا المسألة من وجهة نظر عمود الشعر العربي القديم، ونقاد تناولوها وفق خلفية فلسفية متأثرة بالشراح المسلمين

نمثل للمتأثرين بالشراح المسلمين بما جاء لدى حازم القرطاجني؛ وقد تناول هذه الوحدة وفق ثلاث نظرات:

+ نظرة الوحدة الجمالية: وفيها يرى أنه يجب"استجادة مواد الفصول وانتفاء جوهرها، فيجب أن تكون متناسبة المسموعات والمفهومات حسنة الاطِّراد غير متخاذلة النسج غير متميِّز بعضها عن بعض التمييز الذي يجعل كلَّ بيت كأنه منحاز بنفسه لا يشمله وغيره من الأبيات بنية لفظية أو معنوية يتنزَّل بها منه منزلة الصدر من العجز أو العجز من الصدر. والقصائد التي نسجها على هذا ممَّا تستطاب. وينبغي أن يكون نمط نظم الفصل مناسبا للغرض. فتعتمد فيه الجزالة في الفخر مثلا والعذوبة في النسيب، وأن تكون الفصول معتدلة المقادير بين الطول والقصر. وتقصير الفصول سائغ في المقطعات والمقاصد التي يذهب بها مذهب التهويل والتفخيم فإن تطويل الفصول سائغ فيها ومحتمل لموافقته الكلام وكون القصيدة فيها رحبٌ لذلك وسعة" [1] . ففي هذا النص يضع حازم الأسس الجمالية لوحدة القصيدة:

-التناسب في الصوت والمعنى، ومناسبة الغرض للفصل.

-مطردة الفصول ومرتبة ترتيبا منطقيا.

-اعتدال الفصول بين الطول والقصر.

+ نظرة الوحدة المنطقية، وفيها يشترط"ترتيب بعض الفصول إلى بعض، فيجب أن يقدم من الفصول ما يكون للنفس به عناية بحسب الغرض المقصود بالكلام. ويكون مع ذلك متأتيًّا فيه حسن العبارة اللائقة بالمبدأ. ويتلوه الأهم فالأهم إلى أن تتصوَّر التفاتة ونسبة بين فصلين تدعو إلى تقديم غير الأهم على الأهم" [2] ، وهنا يبرز الترتيب المنطقي الذي يدعو هذا الناقد إلى التزامه.

+ نظرة الوحدة المعنوية، وفيها يدعو إلى أن تكون القصيدة أداة للإقناع والتأثير في المتلقي من خلال حسن توظيف المعاني وترتيبها، بحيث يجب"تأليف بعض بيوت الفصل إلى بعض فيجب أن تبدأ منها بالمعنى المناسب لما قبله، وإن تأتَّى مع هذا أن يكون ذلك المعنى هو عمدة معاني الفصل والذي له نصاب الشرف كان أبهى لورود الفصل على النفس، على أنَّ كثيرا من الشعراء يؤخرون المعنى الأشرف ليكون خاتمة الفصل. فأمَّا من يردف الأقوال الشعرية بالخطابيَّة فإنَّ الأحسن له أن يفتتح الفصل بأشرف معاني المحاكاة ويختِمَه بأشرف معاني الإقناع" [3] .

(1) - منهاج البلغاء، ص:288.

(2) - منهاج البلغاء، ص:289.

(3) - منهاج البلغاء، ص:289.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت