فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 138

وإلى جانب جهود حازم ذات الخلفية الفلسفية والمنطقية، هناك فئة من النقاد العرب القدماء الذين تناولوا هذه المسالة وفق عمود الشعر، ونمثل لهم بابن قتيبة (تـ 276 هـ) الذي عرف له نص نقدي، تكرر في العديد من المصادر النقدية بعده، وهو نص يدل على وجود وحدة نفسية للقصيدة في التراث النقدي العربي القديم، يقول:""وسمعت بعض أهل الأدب يذكر أن مقصِّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار فبكى وشكا وخاطب الربع واستوقف الرفيق ليجعل ذلك سببا لذكر أهلها الظاعنين عنها إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن على خلاف ما عليه نازلة المدَرِ لانتقالهم من ماء إلى ماء وانتجاعهم الكلأ وتتبُّعهم مساقط الغيث حيث كان ثمَّ وصل ذلك بالنسيب فشكا شدة الوجد وألم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليُميل نحوه القلوب ويصرفَ إليه الوجود ويستدعي به إصغاء الأسماع إليه لأن التشبيب قريب من النفوس لائط بالقلوب لما قد جعل الله في تركيب العباد من محبَّة الغزل وإلف النساء فليس يكاد أحد يغلو من أن يكون متعلِّقا منه بسبب وضاربا فيه بسهم حلال أو حرام، فإذا علم أنه قد استوثق من الإصغاء إليه والاستماع له عقَّب بإيجاب الحقوق فرحل في شعره وشكا النصب والسهر وسُرى الليل وحرَّ الهجير وإنضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنَّه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل وقرَّرَ عنده ما ناله من الكاره في المسير بدأ في المديح فبعثه على المكافأة وهزَّه للسماح وفضَّله على الاشتباه وصغَّر في قدره الجزيل" [1] . يتضمن هذا النص النقدي إشارات إلى وجود وحدة نفسية في القصيدة: حيث يعبر الشاعر في قصيدته على ما يجيش في خاطره من أحاسيسه فيصبغ كل أغراض قصيدته بها؛ إذا شبب وصف حالته النفسية، وإذا مدح وصف حاله لممدوحه حتى يرق لحاله. فقد أصبغ على القصيدة جوًّا نفسيا."

خلاصة المطلب الثالث:

عرفت قضية الوحدة العضوية للقصيدة الشعرية جدلا بين الدارسين في القديم قبل الحديث، ونقاد القرن الهجري الثامن لم يشذوا عن هذه القاعدة، فنمهم من احتفل بالبيت الشعري باعتبار ذلك موقفا يقلل من أهمية الوحدة العضوية للقصيدة. ومنهم من اهتم بالأساليب التي تدعم هذه الوحدة. وقد اتخذت هذه الوحدة لدى هؤلاء النقاد أشكالا نذكر:

-الوحدة المنطقية.

-الوحدة الجمالية.

-الوحدة النفسية.

-الوحدة النظمية.

-الوحدة الصوتية.

وبمقارنة جهد نقاد القرن الهجري الثامن بنقاد اليونانيين، نجد أنهم يتفقون في تناولهم لوحدة الخطاب بصفة عامة. ولم يبقوا حبيسي الحديث عن الوحدة العضوية للقصيدة الشعرية كما وجدنا لدى أغلب النقاد العرب القدماء. كما وجدنا

(1) - الشعر والشعراء، ص:20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت