ويجعل ابن الخطيب -كذلك- تأسيس القافية في الرتبة الثانية بعد بناء البيت الشعري في قوله مترجما لأبي عبد الله بن غالب الطريفي:"طويل القادمة والخافية ومحكم لبناء البيت و تأسيس القافية" [1] ، ولأنه سلك هذه المنهجية في القول الشعري فقد أشاد هذا الناقد بشاعرية الطريفي، فجعله"صاحب طبع معين، وآت من القصائد بحور عين" [2] .
وإذا كان كل من ابن خلدون وابن الخطيب قد اتخذا هذا الرأي في ترجيح بناء البيت الشعري على القافية، فإن ابن عبد الملك فقد وقف على اختبار هذه التقنية عمليا، من خلال إعطاء القوافي وطلب الأبيات المحتملة عليها، يقول:"ونظم أبو حجاج بن الشيخ -رحمه الله- أربعة التزم في كل بيت منها كافا دون تكرار، وجعلها بخمسة القوافي بلفظ"وكف"، وبعث بالقوافي مسطرة دون الأبيات إلى الخطيب أبي محمد عبد الوهاب بن علي -رحمه الله- وسأله أن يبني على تلك القوافي، وقدم بين يدي ذلك خمسة أبيات أقامها مقام الرسالة ولم يلتزم الكاف في هذه الأبيات الخمسة [3] إلا في آخر البيت" [4] . يتمثل هذا الطلب في وضع القافية أولا ثم بناء القصيدة عليها. وهي دعوة فيها من الصعوبة ما لا يستطيعها إلا الشاعر المقتدر، ويتضح ذلك من خلال ما جاء في الرسالة، وكذلك من خلال ما قاله في جوابه، وجوابه هو:"سلام كريم عميم ... لأني رأيتك كثير الفرار، ممن أخذ في القوافي بالتكرار، ولم يلُكْ كلامه ذلك اللَّوك، وكان كحصَّاد لف مع السنبل الشوك، وهذا هو دأبي، وإلى هذه الغاية بلغت في آدابي، لكن قلت لنفسي: خذي المنجل واحتزمي، وما التزم صاحبك فالتزمي، ونهضت نحو الفرار مقلَّص الاديال والأردال، واستن محلك القوافي في مكون عقلي، وقال للشاردة منها قفي عقري حلقي، وأنشد بعد أن"
(1) - كتاب التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ابن الخطيب، ص:41.
(2) - كتاب التاج المحلى ومساجلة القدح المعلى، ابن الخطيب، ص:41.
(3) - الأبيات هي:
أيا من له بالمعالي كَلَفْ ... ومن وجهُهُ البدرُ لا بالكلف
أجز ذا الكلام وسق كل لفظ ... بكاف وبعد احتمل ذي الكُلَف
كلام فصيح وخطب فسيحٌ ... بنقسٍ كقارٍ وَطِرْسٍ كلف
وإياك تكرار ما سقته ... فتلفى كحطّضابة الشوْك لف
ولكن كلاما كذا كلُّه ... بكافٍ وكن بالكمال كَلِفْ
(4) - الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك المراكشي، السفر الخامس، الجزء الأول: تحقيق إحسان عباس، دار الثقافة، (د. ط) ، بيروت، (د. ت) ، ص:90.