تمدد مستريحا واستلقى" [1] . فهذا المبدع الناقد يعرف أن هذا التكلف مذموم في الصناعة الشعرية، لكنه قَبِلَ التحدي، وعزم على القول وفق تلك القوافي التي أرسل بها أبو الحجاج. وقد ردّ له بتلك الأبيات. والذي يهمنا منها هو المقارنة بين ما قاله الرجلان:"
-رجل كتب الأبيات مبنية على قافية جاءت مصبا لمعنى وموسيقى الأبيات واستجابة لنفسية المبدع، وهو أبو الحجاج.
-رجل كتب الأبيات وأمامه قافية مفروضة، وهو أبو محمد.
وأبيات جواب أبي محمد هي:
كَرمتَ فَكُنْتَ كَغَيْثٍ وَكَفْ ... وكاملتَ كعبا فكعَّ وَكَفْ
فَشُكْرًا كَثِيرًا لِمَلِكٍ كَبِيرٍ ... كفاك اكتساب كنوز الوكف
وكم كاشح كاتم كيده ... نِكاتَ بكلم كلام وكف
وكللتَ بالسَّبك كانونَ ذكرٍ ... ومثلك بالمسك أذكى وكف [2]
وأبيات أبي الحجاج التي أرسلت -فقط- قوافيها إلى أبي محمد هي:
ركبتُ الكبائرَ والمهلكاتِ ... وأمسكَ كُلُّ حَكِيمٍ وَكَفْ
وذكر المليك الشكور الوكيل ... تركت وأكثرت عكم الوكف
فكيف تَزَكَّى وكم منكر ... كسبت بكيد كلامٍ وكف
فنكِّرْ وَكِسْ وادَّكِرْ ولتكنْ ... كئيبًا تُبْكِي كَمسكٍ وكف [3]
من خلال المقارنة بين القطعتين يبدو الفرق بين أن تكتب شعرا فتأتي القافية استجابة لمعنى وموسيقى البيت، وبين أن تضع القافية وتفرض عليها معنى وعاطفة وموسيقى:
-قطعة أبي محمد عبد الوهاب تأثرت بمعنى التحدي الذي أشهره أبو الحجاج في وجهه، فكان معناها في هذا الاتجاه: الرد على أبيات أبي الحجاج. فكانت المجاملة طابعها، فجاءت الموسيقى غير مشاكلة للمعنى، فتكرار الكاف ثم الانتهاء بالفاء، يعطي صوتين: صوت الكاف المتكرر الشبيه بالضحكات: كككك .. التي يليها صوت الفاء الساكنة الباعثة على التأفّف. وهي موسيقى متنافرة.
(1) - الذيل والتكملة، ج 5، ص:90.
(2) - الذيل والتكملة، ج 5، ص:91.
(3) - الذيل والتكملة، ج 5، ص:92.