يرى ابن خلدون أن العامة من الناس تأثَّرت بفن الموشحات، فنظموا على غرارها أشعارا بلغتهم المحلية سواء كانت عربية أو أعجمية أو خليط من الاثنين. يقول:"ولما شاع فن التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا. واستحدثوا فنًّا سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم لهذا العهد، فجاؤوا فيه بالغرائب واتَّسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم المستعجمة" [1] . فهذا الفن مرتبط بكل قطر على حدة، وليس فيه اتفاق في طريقة النظم.
ويعتبر أبو بكر بن قزمان هو مبدع هذه الطريقة بالغرب الإسلامي على العهد المرابطي،"وإن كانت قيلت قبله بالأندلس" [2] ، وأزجال ابن قزمان المغربي وصلت إلى أقصى الشرق. فقد"قال ابن سعيد: ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب، ثم انتشرت في باقي الأندلس، فقد كان يتردد إلى إشبيلية نيتاب نهرها" [3] . ثم ظهر زجالون آخرون بالأندلس: محلف الأسود ومدغليس وابن جحدر والمعمع وأبو الحسن سهل ابن مالك وأبو عبد الله بن الخطيب وأبو عبد الله اللوشي.
يرى ابن خلدون أن هذه الطريقة الزجلية كانت تعتمد في نظمها على بحور الشعر العربي الخمسة عشر بلغة محلية عامية، يقول:"وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر، وفيها نظمهم حتى أنَّهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر، لكن بلغتهم العامية ويسمونه الشعر الزجلي" [4] .
وقد عرف هذا الشعر انتشارا كبيرا في المغرب، فتطور إلى أشكال: المزدوج والكازي والملعبة، وقيل فيه على أغراض الشعر المعروفة: مدح، هجاء، فجر ... خلاف فن الملعبة بتونس الذي يعترف ابن خلدون برداءته.
ويلخص ابن خلدون نتيجة هذا التقوقع القُطْري الإبداعي للشعر العربي في تفتيت الذائقة العربية، يقول:"واعلم أن الأذواق كلّها في معرفة البلاغة إنما تحصل لمن خالط تلك اللغة وكثر استعماله لها ومخاطبته بين أجيالها حتى يحصل ملكتها كما قلنا في اللغة العربية. فلا يشعر الأندلسي بالبلاغة التي في شعر أهل المغرب، ولا المغربي بالبلاغة التي في شعر أهل الأندلس والمشرق، ولا المشرقي بالبلاغة التي في شعر الأندلس والمغرب. لأن اللسان الحضري وتراكيبه مختلفة فيهم. وكلّ واحد منهم مدرك لبلاغة لغته وذائق لمحاسن الشعر من أهل جلدته وفي خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم وآيات للعالمين وقد كدنا نخرج عن الغرض" [5] .
خلاصة المطلب الثالث:
(1) - المقدمة، ص:825.
(2) - المقدمة، ص:825.
(3) - المقدمة، ص:826.
(4) - المقدمة، ص:829.
(5) - المقدمة، ص:839.