فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 138

اهتم نقاد القرن الهجري الثامن -على غرار القدماء- بمبدأ القصيدة الشعرية، لكنهم اختلفوا في تسميته، فجاؤوا بالعديد من المصطلحات: مفتتح، ومطلع، وصدر، ومبتدأ، ومحيا، وغيرها، وهي تنبئ عن خلفياتهم المعرفية والنقدية.

وعلى الرغم من أن هذه المصطلحات تدل على جزء واحد من القصيدة، إلا أنها تختلف من حيث حجمه ومقداره ونوعيت؛ هل هو: الحرف الأول من البيت، أم الكلمة الأولى منه أم المصراع الأول منه أم البيت الأول كاملا أم أكثر من بيت؟ وهي مصطلحات منها ما عرف واشتهر في النقد العربي القديم باعتباره مفهوما نقديا مثل: المطلع، ومنها ما هو اصطلاح فردي له حمولة لغوية وليس نقدية مثل: المحيا.

• المفتتح.

من خلال النصوص النقدية في القرن الهجري الثامن، نجد أن بعضا منها تطلق على مبدأ القصيدة: افتتاح أو مفتتح. ويبدو أن هذا المصطلح قد جاء من علم التأليف، إذ أنه لا بد لكل كتاب من افتتاح أو مفتتح؛ ويبرز ذلك من خلال قول ابن عبد الملك المراكشي مترجما لأحمد بن عبد الله بن عميرة المخزومي (تـ 658 هـ) :"وكان يملح كلامه نظما ونثرا بالإشارة إلى التواريخ ويودعه إلماعات بمسائل علمية منوعة المقاصد تشهد بتمكنه في المعارف على تفاريقها كقوله وهو مما استفتتح به مخاطبه:"

يَا غَائِبًا سَلَبَتْنِي الأُنْسَ غَيْبَتُهُ ... فَكَيْفَ صَبْرِي وَقَدْ كَابَدْتُ بَيْنَهُمَا

دَعْوَايَ أَنَّكَ فِي قَلْبيِ يعارضها ... شوقي إليك فكيف الجمعُ بينهما

وكتب إليه أبو عبد الله بن أبي الحسين كتابا افتتحه بقوله:

شكري بفاتحة الخطاب منزه ... عن حصره بالوصف والتحبير

وَمَودَّتِي وَقْفٌ عَلَيْكُمْ وَاجِب ... عَارٍ عَنْ التَّوْسِيعِ وَالتَّخْيِير" [1] "

فمن هذا النص؛ يبدو التقابل الذي جعله هذا الناقد للمفتتح بين النثر ومنهجية تصنيف الكتب من جهة، وبين نظم الشعر من جهة أخرى. بل وجعل الشعر مفتتح الكتب، فانتقل أسلوب المفتتح من تصنيف الكتب إلى بناء الشعر، فجعل الشكر من خصائصه عوض ما كان عليه في القديم من سؤال الطلول والخمريات وغيرهما ... ومن خلال هذا النص -كذلك- يبدو أن هذا الناقد يفهم المفتتح على أنه البيتان الأولان من القصيدة، لكنه في نص آخر يبرز أن المفتتح ما هو إلا الكلمة الأولى أو الحرف الأول من البيت؛ يعلق هذا الناقد على البيت:

والمَهْرَ مَهْ لا تُغْلِهِ أو ترى ... شديدةَ البعد من المهرمه [2]

(1) - الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول الأول، ص:152 - 153.

(2) - الذيل والتكملة، بقية السفر الرابع، ص:49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت