وأفرغت القلوب في الهواجع، من ظلم الظالمين، وإفساد المفسِدين، وتخريب المجرِمين، الذين عاثُوا في الأرض الفساد، وخرَّبوا البلاد، وشرَّدوا العباد، ورمَّلوا النساء، ويتَّموا الأولاد، وانتَهكُوا الحرمات، وهمُّوا بالإِلحاد في المقدَّسات، وفتَنُوا الناس في الدين، وشتَّتوا شملَ المسلمين، فأخَذَهم الله أخْذَ عزيزٍ ذي انتِقام، وجعلهم عبرةً للأنام، ونصَر أهل الإِسلام، بحوله وقوَّته وبما سخَّر - سبحانه - من الوسائل والجنود، وإنَّ الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر، فاشكُرُوا الله على هذا الإِنعام.
أيها المسلمون:
وكم مَرَّ بالأسماع من الزلازل العنيفة، والفيضانات المروِّعة، والمجاعات المخيفة، والفتن المهلِكة؛ ليُذِيقهم بعضَ الذي عملوا لعلَّهم يرجعون؛ {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ} [النحل: 61] ، {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [الرعد: 31] .
{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2] .
{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} [التوبة: 126] .
أيها المسلمون:
إنَّ تغيُّر الأحوال، وانقضاء الآجال، وانقِطاع الأعمال والآمال، وما يحدُث من الفواجع والأهوال، وما يُنزِل الله من الألطاف بالمسبِّحين له في الغدوِّ والآصال، كل ذلك ممَّا يُشعِر بعجز المخلوق وضعفه وشدَّة حاجته وافتِقاره إلى خالِقِه ومولاه ومعبوده وحدَه دون مَن سواه، ويُحفِّز العاقل على الرجوع إلى ربِّه والتعلُّق به وحدَه والتمسُّك بدينه والسَّير إليه على هدْي نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ومُلازَمة تقوى الله في سائر الأحوال، فإنها عنوان السعادة وسبيل الفلاح، فالدنيا محفوفةٌ بالأنكاد والأكدار، والشرور والأخطار، ولا يهذبها ويصفِّيها ويسلِّم العبد من شرِّ ما فيها إلاَّ الاستِقامة على الدين، والاستِعانة بما فيها على طاعة ربِّ العالمين؛ كما قال - تعالى - في كتابه المبين: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 81 - 82] .