الحمد لله الكبير المتعال، أحمَدُه وأشكره فهو مستحقٌّ للحمد والشكر واجبٌ له على كل حال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمد عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومَن سلَك سبيله إلى يوم الدين.
أمَّا بعد؛ فيا أيها الناس:
اتَّقوا الله - تعالى - وأطِيعُوه، واشكُرُوا له ولا تعصُوه، وراقِبُوه - تعالى - واحذَرُوه، واعلَمُوا أنَّ من أعظم خِصال المسلم الحق وأجَلِّ مميزاته الثَّبات على دينه، والمحافَظَة على أخلاق نبيِّه محمد - صلى الله عليه وسلم - دون أيِّ تذبذب فيه أو انحِراف عنه لشبهةٍ عارضة، أو شهوةٍ جامحة، أو فتنة بين الناس شائعة، فإنَّ التذبذُبَ بين الحق والباطل وترْك السنة الثابتة بعد التخلُّق بها - ليس من شأن أهل الإِيمان، بل هو من شأن ذوي النِّفاق والكفران، الموصوفين في مُحكَم القرآن، بالتناقُض بين الأقوال والأعمال، والتقلُّب في المسالك في سائر الأحوال؛ قال - تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ} [الحج: 11] .
وقال - سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ * وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ} [العنكبوت: 10 - 11] .
أمَّا المؤمن الحق فإنَّه يكون مغتبطًا بإيمانه بالله، محقِّقًا لعبوديَّته لله، متشرِّقًا بالانتِساب لدينه، والاتِّباع لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - فيظل على الدوام معتدًّا بإيمانه وعقيدته، معتزًّا بشخصيَّته ورأيه، لا يَنقاد لهوى باطل من قِبَل نفسه، ولا يُتابِع غيرَه على خطأ، ولا يَرضَى بأيِّ خطَّة لا تُستَمدُّ من كتاب الله - تعالى - وهدْي نبيِّه - صلى الله عليه وسلم - لعلمه أنَّ للناس أهواءً وغايات، وللبشر أخطاء ونزوات، وليس لذي لُبٍّ سليم أنْ يتابع الناسَ على أخطائهم، أو يُجارِيهم على أهوائهم، بل لا بُدَّ من طلَب البيِّنة على الدعوى، والحجَّة على المذهب؛ يقول - تعالى-: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 111] ؛ أي: على صدق دعواكم أنَّه لن يدخل الجنة