الحمد لله مُسَيِّر الأزمان ومُدبِّر الأكوان، يسأَلُه مَن في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، ولا يشغله شأن عن شأن، أحمده - سبحانه - هو العفوُّ الغفور، الحي القيُّوم على مَرِّ الدهور وكرِّ العصور، يَعلَم خائنة الأعين وما تُخفِي الصدور.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، الملك العظيم الذي منه المبتدَأ وإليه المآب، جعَل الشمس ضياءً والقمر نورًا، وقدَّرَه منازل لتعلَمُوا عدد السنين والحساب، وجعَل الليل والنهار خِلفةً ليذكر ويشكر أولو الألباب، الذين يعلَمون أنَّ الدنيا دارُ عملٍ واكتساب، وأنَّ الآخرة دار جزاءٍ وثواب، وأنَّ مردَّهم إلى الله وهو سريع الحساب.
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبده ورسوله، المبعوث بالحقِّ بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدِّين وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعدُ، فيا أيها الناس:
اتَّقوا الله وخذوا من تعاقُب الليالي والأيام، وتصرُّم الشهور والأعوام، أعظمَ العبر وأبلغ العظات؛ لتنتَفِعوا من ذلك ما دمتُم على قيد الحياة، بالتوبة إلى الله من الزلاَّت، والاجتِهاد في أنواع الطاعات، والمنافَسة في جليل القربات، وما يوصل إلى رفيع الدرجات، قبل الفَوات وحصول الحسرات على عظيم الهفوات.
أيُّها الناس:
ألاَ ترَوْن أنَّ الليل والنهار يَتراكَضان تراكُضَ البريد، فيقربان كلَّ بعيد، ويخلقان كلَّ جديد، ويأتيان بكلِّ موعود، وأنَّكم بمرورهما في آجالٍ منقوصة، وأعمالٍ محفوظة؟ فالأعمار تَفنَى، والآجال تُدنَى، وصحائف الأعمال تُطوَى، والأبدان في الثَّرى تَبلَى، أليس في ذلك للعاقل أعظم العبر وأبلغ العظات؟
أيها المسلمون:
ألاَ ترَوْن أنَّكم في هذه الحياة تتقلَّبون في أسْلاب الهالكين، وستَذهَبون رغمًا عنكم وتُورِثونها لخلفكم اللاحِقين؟ وها أنتم في كلِّ يومٍ تُشيِّعون منكم غاديًا ورائحًا إلى الله - عزَّ وجلَّ - قد قضَى نحبَه ومضى حقًّا إلى ربِّه، فتُودِعونه وتدَعُونه في صدع من الأرض