إنَّ الحمد لله نحمَدُه، ونستَعِينه ونستَغفِره، ونستَهدِيه ونتوب إليه، ونَعُوذ بالله من شُرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا.
أمَّا بعد؛ فيا أيُّها الناس:
توبُوا إلى الله - تعالى - قبْل أنْ تموتوا، وبادِرُوا بالأعمال الصالحة قبل أنْ تُشغَلوا، وصِلُوا الذي بينَكم وبين ربِّكم بكثْرة ذِكرِكم له والصدقة ابتِغاءَ وجهه في السرِّ والعلانية؛ تُرزَقوا وتُنصَروا وتُجبَروا، واغتَنِموا لحظات الزمن وفُرَص الحياة بالأعمال الصالحات قبلَ مُضِيِّها وانصِرامها؛ فإنَّ الليالي والأيَّام خزائنُ تُستَودَع فيها الأعمال، ومَطايَا الأحياء إلى الآجال، وستَمضِي إلى ربها شاهِدةً لكم أو عليكم بما استَودعتُمُوها، حافظةً لما ائتمَنتُموها، معاتبةً لكم إنْ ضيَّعتموها؛ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [آل عمران: 30] .
ألاَ وإنَّ الدنيا قد ولَّت مُدبِرة، والآخِرة قد ارتَحلَتْ مُقبِلة فكونوا من أبناء الآخِرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإنَّ اليوم عملٌ ولا حساب، وغَدًا حسابٌ ولا عمل، فاستَبِقوا الخيرات، وأقبِلُوا على جليل الطاعات وعظيم القربات، وسابِقُوا إلى المغفِرة والجنَّات وتنافَسوا في الفوز بأعلى الدرجات قبل المَمات؛ فعن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إذا مات ابنُ آدم فقد انقَطَع عملُه إلاَّ من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتَفع به، أو ولد صالح يدعو له ) ).
وعنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ويتبع الميت ثلاثٌ فيَرجِع اثنان ويَبقَى واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله ويبقى عمله ) ).
فالعمل أيُّها المسلمون هو الصاحب في السفر إلى الآخِرة، والجليس في القبر دار الغربة، والشافع يوم الهول والكربة، فاعمَلُوا صالحًا تَجِدُوه، وأحسِنُوه تحمدوه، واتَّقوا ربَّكم واحذَرُوه، فإنَّكم كادِحُون إليه كدحًا فمُلاقُوه، فلا تغرَّنَّكم المهلة، فما أسرع النقلة! فكأنَّكم بملائكة الموت وقد حضَرَتْ، وبصحف الملائكة وقد طُوِيَتْ، وبالروح وقد غرغرَتْ، فيا لهول المفاجأة ويا لعظم المصيبة، فكم من محسنٍ يَوَدُّ الزِّيادة من الإحسان،