الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتَّقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، إله الأوَّلين والآخِرين، وقيُّوم السموات والأرضين، ومالك المُلْك في الدنيا ويوم الدِّين.
وأشهَد أنَّ محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، الذي لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحى، وقد دلَّ أمَّته على خيرِ ما يعلمه لهم في الدنيا والأُخرَى، وأنذرهم من شرِّ ما يعلمه لهم في الحاضر والعُقبَى، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]
أمَّا بعد؛ فيا أيها الناس:
اتقوا الله - تعالى - حق التقوى، وسارعوا في سائر أوقاتكم وأحوالكم إلى ما يحبُّ ويرضى، واستَمسِكوا من الإِسلام بالعروة الوثقى، واسألوا ربكم العافية من عظيم البَلاء، واللُّطف فيها يجريه عليكم من القَضاء، والنجاة من الفِتَن فإنها في زمانكم تترى.
أيها المسلمون:
لا شكَّ أنَّنا في زمانٍ قلَّ فيه العلم، وفشا فيه الجهل، وضعُفت فيه التقوى، وغلب فيه الهوى، فأُوثِرت فيه - من الكثيرين - الدنيا على الأخرى، وهامَ ضُعَفاء الإِيمان في أودِيَة الضلال، وصار أهل الزيغ والنفاق يَكِيدون لإِفساد المجتمع في الحال والمآل، يمكُرُون بخفاء ويُنافِقون بجلاء: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [الصف: 8 - 9] . {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 29 - 30] .
يُفسِدون في الأرض ويقولون: إنما نحن مُصلِحون، إنْ أردنا إلاَّ إحسانًا وتوفيقًا، يريدون أن يجمعوا بين الدين وشهوات المنحرفين المغرضين وأنظمة الجاهلين: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50] .