إنَّ الحمدَ لله، نحمَدُه ونستَعِينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونَعُوذ بالله من شُرُور أنفُسِنا وسيِّئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، ومُصطفاه وخليله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا.
أمَّا بعدُ؛ فيا أيُّها الناس:
اتَّقوا الله - تعالى - واجتَهِدوا في الأخْذ بما فيه صَلاح قُلوبكم وأعمالكم؛ فإنَّ القلب هو محلُّ نظَر الله من العَبد، وبصَلاحِه تستَقِيم الجوارح، وتصلُح الأعمال، وتُسدَّد الأقوال؛ ففي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنَّ الله لا يَنظُر إلى أجسامكم ولا إلى صُوَركم، ولكن إلى قلوبكم وأعمالكم ) )؛ رواه مسلم.
وفي الصحيحين من حديث النُّعمان بن بشير - رضِي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنَّ الحلال بيِّن، وإنَّ الحرام بيِّن ... ) )الحديث، وفيه قال - صلى الله عليه وسلم: (( ألاَ وإنَّ في الجسد مضغةً؛ إذا صلَحَتْ صلَح الجسد كلُّه، وإذا فسَدت فسَد الجسد كلُّه؛ ألاَ وهي القلب ) ).
وكم في الكتاب والسنَّة من آياتٍ صَرِيحة، وأحاديث صَحِيحة، اشتَملتْ على التَّنوِيه بشَرَفِ القلب الصالح، وأنَّ صلاحه أصلُ كلِّ عَمَلٍ صالح؛ ذلكم - يا عبادَ الله - لأنَّ القلب هو أشرَفُ ما في الإنسان، ومَحِلُّ العلم منه والعِرفان، فإذا صلَح قلبُ المرء استَنارَتْ بَصِيرته، وطابَتْ سَرِيرَتُه، وخلصت نيَّته، وعظُمت في الله معرفته، وامتَلأ من تَعظِيم الله وهيبَتِه، وخوفه ومحبَّتِه، ورجائه وخشيَتِه؛ ولهذا بُعِثتْ إليه الرُّسل من الرحمن، وخُوطِب بالقُرآن؛ لإخلاص التوحيد وتحقيق الإيمان، وكان أشرف العَطايا وأجلَّ المِنَح، والمبارك على الجسد إذا صلَح، وإنما الجوارح أتْباعٌ للقلب يستَخدِمها استِخدامَ الملوك للعَبِيد، فسُبحان مُقلِّب القلوب، ومُودِعها ما يَشاء من الأسرار والغُيوب، الذي يَحُول بين المرء وقَلبِه، ويعلَمُ ما ينطَوِي عليه من طاعته وأسباب حبِّه؛ ولذا كانت أكثر يمين النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: (( لا، ومُقلِّب القُلوب ) )، ومن مأثور دعائه: (( اللهم مُصرِّف القلوب، صَرِّفْ قلوبَنا على طاعتك ) )، وكان أكثر دُعائه: (( يا مُقلِّب القُلوب، ثبِّت قَلبِي على دِينِك ) ).