الحمد لله الذي يُفقِّه مَن أراد به خيرًا في الدين، ويرفع بالعلم درجات العُلَماء العامِلين، فيجعَلهم أئمَّة للمتَّقين، وهُداة لعالمين، لَمَّا صبَرُوا وكانوا بآياته مُوقِنين، أحمَدُه - سبحانه - هو الكريم الأكرم الذي علَّم بالقلم، علَّم الإِنسان ما لم يعلَم، وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، هو الرحيم الرحمن، الذي علَّم القرآن، خلَق الإنسان علَّمَه البيان.
وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب والحكمة، وعلَّمَه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الجمعة: 2 - 4] .
صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه الأئمَّة المهديِّين والسادة المقرَّبين، الذين آمَنوا به وعزَّروه ونصَرُوه، واتَّبَعوا النور الذي أُنزِل معه، أولئك هم المُفلِحون.
أمَّا بعد؛ فيا أيها الناس:
اتَّقوا الله - تعالى - في جميع أموركم، وتعلَّموا ما أُنزِل إليكم من ربكم من الكتاب والحكمة، وتفقَّهوا فيهما واعمَلُوا بهما؛ يعلِّمكم الله ويجعل لكم نورًا تَمشُون به، ويجعل لكم من أمركم فرقانًا، ويُكفِّر عنكم سيِّئاتكم ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم؛ فإنهما قد اشتَمَلا على العلم النافع المبارَك المثمر لكلِّ عمل صالح، والدالِّ على كلِّ المصالح في الحال والمآل، والموصل إلى رضوان الله وجنته فضلًا من ذي الكرم والجلال؛ {قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16] .
أيها المسلمون:
هَلُمُّوا إلى العلم الموروث عن نبيِّكم - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والسنَّة، فتعلَّموه واعمَلُوا به، وعلِّموه أهليكم وذويكم، وادعوا كلَّ مَن ذهبتم إليه أو جاء إليكم، فإنَّ حاجتكم إليه شديدة، وضرورتكم إليه عظيمة، فأنتم أحوج إليه منكم إلى الشراب والغذاء، والدواء