والهواء والضياء؛ فإنَّ به حياة القلوب وانشراح الصدور، وزكاة النُّفوس ونور البصائر، وبه النَّجاة من فِتَنِ الدنيا وفي البرزخ ويوم تُبلَى السرائر، إنَّه نورٌ يُهتَدى به الظلمات، وسببٌ يُتوصَّل به إلى أنواع الخيرات وجليل القربات، وعونٌ للعبد من ربِّه على لزوم الطاعات، وترْك السيِّئات وهجْر المحرَّمات والمشتبهات.
به يُعرَف حقُّ الله - تعالى - على عباده، وما للمرء عند ربِّه يوم معاده، وبه تُعرَف الأحكام، ويفرق بين الحلال والحرام، وتُوصَل الأرحام، وهو الباعث على الإِخلاص في العمل والإحسان، وهو لكلِّ عمل صالح وكلمٍ طيِّب أصلٌ وحافظ لاستقامة البنيان، وأفضل مكتسب، وأشرف منتسب، وأنفس ذخيرة تُقتَنى، وأطيب ثمرة تُجتَنى، ووسيلة لكلِّ الفضائل، وسببٌ يلحق به المتأخِّرون بالسابقين الأوائل.
أيها المسلمون:
تعلَّموا هذا العلم وأَخلِصوا لله في طلبه والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه، تنالُوا بركته وتجنوا ثمرته، تكونوا لربكم متقين، ولنبيِّكم محمد - صلى الله عليه وسلم - وارِثين، وبأشرف الحظوظ آخِذين، ولطريق الجنَّة سالِكين، فإنَّ مَن كان كذلك رفَعَه الله درجات في الدنيا ويوم الدين؛ فجعَلَه من الأئمَّة الهُدَاة المهديِّين، وألحَقَه بمن سَلَف من الصالحين، وجعَل له لسانَ صدقٍ في الآخِرين، وإنما العلم بالتعلُّم والفقه بالتفقُّه، ومَن يُرِد الله به خيرًا يُفقِّهه في الدين، فمَن عَلِمَ الله في قلبه خيرًا أسمَعَه، ومَن اتَّقى اللهَ في علمه وعمله كان معه، فإنَّه - سبحانه - يسمع مَن يشاء، ويَهدِي مَن يشاء، ويُؤتِي الحكمة مَن يشاء: {مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [البقرة: 269] .
أيها المسلمون:
إنما يُراد من العلم خشيَةُ الله والتقرُّب إليه بما فيه رِضاه، واتِّقاء سخطه في الدنيا ويوم نَلقاه، فكلُّ علمٍ لا يُورِث صاحبَه الخشية ولا يُحدِث له صالح عملٍ ومَزِيد تقوى، فهو تعبٌ على صاحِبِه في تَحصِيله وجمعِه، وضررُه عليه أكبرُ من نفعِه، وحجَّة من الله - تعالى - عليه، فالعلم علمان: علم في القلب وهو النافع، وعلم على اللسان وذلك حجَّة الله على ابن آدم، فاطلبوا من العلم ما يُورِث خشيةَ الله - تعالى - ويُرغِّب في الدار الآخرة، ويَحجِز عن أسباب الرَّدَى واتِّباع الهوى.