الحمد لله الذي أَرْسَل رسوله بالهدى ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلِّه وكَفَى بالله شهيدًا، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحْدَه لا شريك له إقرارًا به وتوحيدًا، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - تسليمًا مزيدًا.
أمَّا بعدُ؛ فيا أيها الناس:
اتقوا الله واشكروه على جميع نعمه، واسألوه المزيدَ من فَضْله وألوان كَرَمه، واحذروا معصيته ومُخَالفته؛ فإنها سببٌ لِمَقْته وشديد نِقْمته، واذكروا نعمة الله عليكم؛ إذ هداكم للإسلام، وجَعَلكم من أُمَّة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنَّ الناس كانوا قبل بعثته في جاهليَّة جَهْلاء، وضلالة عمياء، مشركين بربِّهم، متوجِّهين بالعبادة وطلب النَّفْع ودَفْع الضُّرِّ إلى مَن يضرُّهم ولا ينفعهم؛ من الأموات والجمادات، والأرواح الغافلات، وغير ذلك من أنواع المخلوقات.
فصِنْفٌ منهم معرضون عن ربِّ الأرض والسموات، يتبرَّك بنوع من الشجر، والآخر ينادي ميِّتًا في قبر، وثالث يشكو إلى حَجَرٍ عُسْرَ الأمر، ورابع يسجد للشمس والقمر والنجوم، والكل مُعرض عن ذِكْر الحي القَيُّوم.
وكانوا في أمورهم العامة في أسوأ حال، وأضيق عَيْش، وأشد كَرْب، يَسفكون الدماء عند أتفه الأسباب، ويغتَصِبون الأموال ويَعدُّونه أشرفَ الأكساب، ويتحاكَمون إلى الطواغيت، ويستجيرون بالشياطين والعفاريت، وكانتْ تحكم العالَم آنذاك دولتان غاشمتان ظالمتان: دولة الروم النصرانية الضالَّة، ودولة الفُرس المجوسيَّة الظالِمة المتجبِّرة.
وكان العالَم يعيش في ظلام دامسٍ، وجهل خانقٍ، وخُرافة متحكِّمة، وبَلْبَلة وفِتنة مستحكمة، حتى أَذِن الله - تعالى - وله الفضل والْمِنَّة ببعثة خاتم النبيين، وإمام المرسلين، محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمةً للعالمين، وحُجَّة على الْخَلق أجمعين، أرسله بالهدى ودينِ الحقِّ بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فأنقَذَ به - وله الحمد والشكر - مِن الجهالة، وهَدى به من الضلالة، وبَصَّر به من الْعَمَى، وعَصَم به من الرَّدَى، وأعزَّ به من الذِّلَّة، وأغْنَى به من القِلَّة، وأخْرَج به من الظلمات إلى النور، ويَسَّر به الأمور، ولَم يَزلْ - صلوات الله وسلامه عليه - مُجتهدًا في تبليغ الدين، وهداية العالمين، وجِهاد الكفار والمنافقين؛ حتى أشرقت الأرض بنور الله ابتهاجًا، ودخَلَ الناس في دين الله أفواجًا،