الحمد لله الذي خلَقنا في أحسن تقويم، وربَّانا على مَوائِد برِّه وخيره العميم وإحسانه العظيم، أحمَدُه - سبحانه - إذ جعَل لنا من أنفُسِنا أزواجًا لنسكُن إليها وجعَل بيننا مودَّة ورحمة، وجعَل لنا من أزواجنا بنين وحفدة، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، جعَل الأولاد فتنةً يختَبِر بها العباد؛ ليبين مَن يقوم بحقِّهم فيصونهم عن الفَساد، ممَّن يضيعهم فيخسرهم ويَشقَى بهم في المعاش والمعاد، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله إمام المرسلين وخاتم الأنبياء، وخير الآباء، وأصلح الأبناء، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه الذين هم خيرُ صحب الأنبياء، وهم بعدهم أئمَّة الأتقياء.
أمَّا بعد؛ فيا أيُّها الناس:
اتَّقوا الله - تعالى - في سائر أحوالكم، واشكُرُوه على إنعامه عليكم، واذكُروا قوله - سبحانه: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] ، فاستَوصُوا بأولادكم خيرًا، وأحسِنوا إليهم يُقابِلوكم بذلك برًّا، وادَّخِروا حسن تربيتهم ووقايتهم من النار عند الله - تعالى - ذخرًا.
أيُّها المسلمون:
إنَّ أولاد الرجل من كسبه، وعملهم الصالح من عمله إنْ كان بسببه، ودُعاؤهم من خير ما ينتفع به الأبُ بعد موته، وكم من أبٍ كان مغمورًا فصار مشهورًا، وبالخير مذكورًا، وحلَّ في الجنة قصورًا، بسبب ابنٍ اعتنى بتربيته، فأصلَحَه الله على يدَيْه، فصار مُبارَكًا على نفسه، وعلى والدَيْه وذَوِيه، وعلى الإسلام وأهله، وذلك فضلُ الله يُؤتِيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم، نسأل الله الكريم من فضله.
أيُّها المسلمون:
إنَّ صَلاح الذريَّة كان محلَّ اهتِمام سادات النبيِّين والمرسَلين، وأتباعهم من عِباد الله الصالحين، فهذا خليلُ الله إبراهيم يقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: 100] ، كما ذكَرَه الله في القُرآن العَظيم، ويلحُّ على الله بسؤال الثَّبات له ولذريَّته على الإسلام، وأنْ يجنِّبهم عِبادة الأصنام، فيقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [إبراهيم: 40] ، ويقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم: 35] .