الحمد لله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولَّى الصالحين، أحمَدُه - سبحانه - أمَر بالإِصلاح وبشَّر فقال: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170] .
وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، يَعلَم المفسِد من المصلِح، ولا يُصلِح عملَ المفسدين؛ {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117] .
وأشهَدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، إمام الصالحين وقدوة المُصلِحين، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا يُصلِحون في الأرض ولا يُفسِدون، ويَأمُرون بالمعروف وينهَوْن عن المنكر، وأولئك من الصالحين، أمَّا بعد:
فيا أيها الناس:
اتَّقوا ربَّكم وأَصلِحوا ذاتَ بينِكم، وأَطِيعُوا الله ورسولَه إنْ كنتم مؤمنين، إنما المؤمنون إخوةٌ فأصلحوا بين أخوَيْكم، واتقوا الله لعلَّكم ترحمون، والصلح خير، وإنْ تحسنوا وتتَّقوا فإنَّ الله كان بما تعملون خبيرًا، قوموا بما أمَرَكم به ربُّكم من الإصلاح ينجز لكم ما وعَدَكم من الفلاح؛ من الخير العميم، والأجر العظيم، قال - تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 114] .
أيها الناس:
إنَّ الاختِلاف بين الناس والخصومة فيما بينهم أمرٌ واقعٌ وله أسبابٌ كثيرة؛ منها: الشيطان الذي يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء، والنفس الأمَّارة بالسُّوء، والهوى المضلُّ عن سبيل الله، والشحُّ المُهلِك، والنميمة المُفسِدة، واشتِباه الأمور، وغير ذلك من الأسباب متفرِّقةً أو مجتمعةً، التي تُنتِج الخلاف وتُورِث الفتنة، حتى تفرق بين المحب وحبيبه، والقريب وقريبه، والصاحب وصاحبه، والنَّظِير ونَظِيره؛ حتى يهجر الولد أباه، والزوج زوجه، والأخ أخاه، والجار جاره، والشريك شريكه، والجماعة من مجتمعهم، وذلك أنَّه إذا دَبَّ الخلاف واشتدَّت الخصومة، فسَدَت النيَّات، وتغيَّرت القلوب، وتَدابَرت الأجساد، وأظلَمت الوجوه؛ فوقَعَت الحالِقة التي لا تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، حيث يَسُوء ظنُّ المسلم بأخيه، وهو كما في الصحيح: (( الظن أكذب الحديث ) )، وتتفوَّه الأفواه